د.همام القوصى يكتب :"الرصاصة الذهبية" ... والعقوبات الاقتصادية الأمريكية

كتب : بقلم/د . همام القوصى
2018-12-30 23:12
أحياناً يمتدُّ ذهن الإنسان إلى مواقفٍ سحيقةٍ من عمره، ليكتشف في الحاضر أنَّها كانت استشرافاً لواقعٍ مستقبليٍّ. عندما قرأت قصَّة "الرصاصة الذهبيَّة" للكاتب المبدع نبيل توفيق، كنت ما أزال مُراهِقاً في مُقتبل العمر، أستكشف معاني الحياة، وأتغذَّى على خبرات الأدباء مُحاوِلاً تكوين خلفيَّةٍ لغويَّةٍ خلاَّقةٍ، فاستوقفتني هذه القصَّة بالذات لأنَّ معنى الرصاصة الذهبيَّة كان له إسقاطاتٍ عديدةٍ على الواقع.
فببساطةٍ، تلك الرصاصة الذهبيَّة هي عبارة عن رصاصة حقيقية مُصاغَة من الذهب الخالص بغاية قتل الضابط المصري أدهم صبري "رجل المستحيل"، وقد كُتِب على مقذوفها اسمه إمعاناً في الانتقام والبغض؛ لكثرة ما قاساه أعداؤه من بسالته وإخلاصه وأخلاقه وحبه لوطنه.
ولكنَّ أحداث القصَّة قد قادت هذه الرصاصة التي أعدَّها أعداء أدهم صبري لقتله، وترصَّدوه حتى يُطلقوها قاتلةً في صدره، ومكروا به أدهى المكر، قادت تلك الأحداث إلى أن تستقرَّ الرصاصة الذهبية في صدر الأعداء المتحالفين بعد أن أطلقها أحدهم على الآخر؛ فقد جعلهم نجاحه وكبرياؤه يتباغضون ويتناحرون، فذهبت شوكتهم ورقدت رياحُ مكرهم في نحرهم.
هذا الملخص السريع لقصَّة الرصاصة الذهبيَّة –دون التعمُّق أكثر في شخوصها وأحداثها- قد أعطاني انطباعاً أنَّ سوء النيَّة وتأبُّطَ الشرِّ سينقلب في قلب مُبْطنِهِ، فلا تنفعُه حِيَلُه، ولا يُغنِه دهاؤه.
وإسقاطاً على واقع الاقتصاد العالمي، فما بتنا نرى سوى إمبراطوريَّاتٍ اقتصاديَّةٍ عملاقةٍ تتناحر وتتوعَّد بعضها البعض بالعقوبات، فما توقَّفت لهجة الإدارة الأمريكيَّة الحاليَّة من إطلاق التهديدات الاقتصاديَّة، حتى باتت تُهدِّد شركاءها وحلفاءها من الدول الأوروبيَّة التي لطالما رسمت لوحة وحدة المصير في خطابها مع الولايات المتحدة.
فماذا يحدث في أروقة الاقتصاد الأمريكي؟، وماذا سينتج عن سياسة العصا الاقتصاديَّة الأمريكيَّة؟، والأهمُّ: هل الولايات المتحدة -التي تندفع نحو الانكفاء على ذاتها- قادرةٌ على تحمُّل إجراءات المُعاملة بالمثل من الدول التي تُعاقِبها مجتمعةً؟!.
الحقيقة إنَّ ما يجري للاقتصاد الأمريكي لهو انسياقٌ غير علميٍّ نهائيَّاً نحو العزلة الماليَّة، وإن كانت تلك العزلة مُدمِّرةً للاقتصاديَّات العالميَّة، فهي أشدُّ وطءً وأفتك تدميراً في اقتصاد الولايات المتحدة الذي يعتمد بالدرجة الأولى على سمعة وتوازن القطاع المالي في بورصات (وول ستيرت – Wall Street) في نيويورك.
حيث إنَّ شرايين الاقتصاد المالي تعتمد بالدرجة الأولى على أساسيَّات التجارة والتداول من الثقة والاستقرار، والنمو، والأهم: (حسن النية Good Faith - De Bonne Foi -)، وهي ظروفٌ قد فتكت بها الإدارة الأمريكيَّة الحاليَّة بتفنُّنٍ وتَقوُّلٍ وتظاهرٍ "طاووسيٍّ" –إن صحَّ التعبير- في الوقت الذي تتَّجه فيه الولايات المتحدة نحو مصيرٍ اقتصاديٍّ مجهولٍ.
ومن جهة الاقتصاد العالمي المُثقَل بالبطالة والبطء، فقد وصل الدين العالمي إلى أرقامٍ قياسيَّةٍ لم يسبق أن وصلها في السابق، فقد بلغ 184 تريليون دولار وفقاً لصندوق النقد الدولي؛ أي ما نسبته 225% من الناتج الإجمالي العالمي في عام 2017، ويـأتي في صدارة المقترضين: الولايات المتحدة.
إنَّ هذه الوضعية ستدفع الدول نحو اتِّخاذ إجراءاتٍ وقائيَّةٍ ستزيد من انكفاء الحركة التجاريَّة والماليَّة نحو الولايات المتحدة؛ لأن الحركة التجاريَّة تبتعد بطبيعتها عن أجواء المشاحنة، وضعف الثقة، واهتزاز الائتمان، تماماً مثلما يظهر عليه الاقتصاد الأمريكي اليوم.
وبالتالي فإن الخاسر الأكبر من العقوبات الاقتصاديَّة الأمريكيَّة في إطار الحروب التجاريَّة والفرض "الأهوج" لوجهات النظر، هو الولايات المتحدة ذاتها!.
وهذا ما يدلُّ على أنَّ السياسة الاقتصاديَّة الأمريكيَّة لا تتغيَّا تحقيق مبدأ: (أمريكا أولاً America First - Amérique D'Abord –) بل (أمريكا المنعزلة- L'Amérique Seule - Lonely America ) بالمعنى الاقتصادي، بعد أن ظهر للباحثين توجه الأمَّة الأمريكيَّة نحو الانعزال حتى بالمعنى الاجتماعي.
فمَن شاهد حرائق كاليفورنيا والأضرار الكارثيَّة على مواطني هذه الولاية عام 2018 من قتلى بالعشرات ومفقودين بالمئات، دون أن تتحرَّك الإدارة الأمريكيَّة بذات الاندفاع "الأكروباتي" نحو محاصرة دول العالم الثالث، يُدرِك تماماً أنَّ الإدارة الأمريكيَّة لم تلتفتْ إلى المصلحة الداخليَّة أولاً كما تزعم، بل بدأت تعجز حتى عن تقديم الحماية الحكوميَّة الاستباقيَّة واللاَّحقة التي لا تتردَّد بتقديمها حكومات دول العالم الثالث، واكتفت بمُعايَنة أطلال الكارثة مع إحصاء الأضرار. ولا تفسير لذلك إلا في ضعف الميزانيَّة الماليَّة بفعل بداية ظهور آثار ما يمكن تسميته (الانعزال المالي Financial Isolation - Isolement Financier -).
ولهذا يبدو أنَّ سوء نيَّة الإدارة الأمريكيَّة الحاليَّة تجاه الاقتصاديَّات الناجحة في الصين وأوروبا ستنقلب بأثرٍ عكسيٍّ على اقتصاد الولايات المتحدة، فيجب ألاَّ نستغرب أن تتحوَّل العقوبات الاقتصاديَّة الأمريكيَّة شيئاً فشيئاً إلى إيذاءٍ للذات.
عندها سيتحقَّق مشهد "الرصاصة الذهبيَّة"، حيث سنرى السلاح الاقتصادي الذي تتآمر به إدارة الولايات المتحدة وتضغط به على الدول الفقيرة والعصاميَّة حتى تُخْضِعها وتُضَعْضِعها، سنراه يُردي الاقتصاد الأمريكي الغارق في رمال الكساد المتحرِّكة!، ذلك بعد أن قرَّرت الإدارة الأمريكيَّة لعب دور (الشرطي الاقتصادي Economic Policeman - Policier Économique )!!.
بقلم / الدكتور. همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص بورصة الأوراق الماليَّة)


Create Account



Log In Your Account