د.همام القوصى يكتب :السترات الصفراء... وانفصال القانون عن الواقع

كتب : بقلم/د.همام القوصى
2019-02-01 00:02
لم تكنْ حركة السترات الصفراء مُجرَّد زوبعةٍ في فنجانٍ كما تمنَّتها الإدارة الفرنسيَّة الحاليَّة، بل كانت صدمةً كهربائيَّةً حقيقةً لواضِعِي السياسات التشريعيَّة والاقتصاديَّة من المترفين في الشانزليزيه؛ فقد استندت الحركة على إرثٍ ثقافيٍّ فرنسيٍّ طويلٍ من مقارعة السلطة التنفيذيَّة، و"التذمُّر" من الأوضاع الاقتصاديَّة من جهة، ورموزٍ مطلبيَّة تحمل أشدَّ معاني الصدق وأكثر الروابط التحاماً مع الواقع من جهة أخرى.
لكن أكثر ما قد ميَّز هذه الحركة هو قدرتها على قول الصراحة بشكلٍ قريبٍ حتى من الوقاحة، هذا كلُّه قبل أن يتمَّ تسييس معظم أروقة الحركة وتطويعها ضمن أجندات بعض الاتجاهات السياسيَّة الفرنسيَّة التي لطالما فشلت في الحصول على الأغلبيَّة النيابيَّة، ومن هنا وجدت في السترات الصفراء فرصةً لها لاعتلاء السلطة التنفيذيَّة.
وبمطلق الأحوال، فإن سبب انطلاق هذه الحركة الشعبيَّة في فرنسا هو رفع "ضريبة القيمة المضافة" Value-Added Tax (VAT) - Taxe sur la Valeur Ajoutée على "الوقود الأحفوري" Fossil Fuels - Combustibles fossiles:
الديزل بما نسبته 14%، وعلى البنزين بما نسبته 7.6%، الأمر الذي قد قوَّض قطاع النقل، وأصاب الوسائط التي تستخدم محركات الديزل بشللٍ اقتصاديٍّ نتيجة ذوبان معظم الأرباح التي كان يُحقِّقها هذا القطاع، بالإضافة إلى العبء الثقيل الذي بات حتى على عاتق المواطن الفرنسي العادي؛ فمنذ خطَّة الحكومة الفرنسيَّة لدعم المحركات التي تعمل بالديزل في بداية الثمانينيَّات، باتت العديد من السيَّارات الفرنسيَّة تعمل بالديزل خاصَّةً في الضواحي.
ومن وجهة نظرٍ قانونيَّةٍ تمتزج بالرؤية الاقتصاديَّة الماليَّة، فإن اختيار توقيت رفع ضريبة القيمة المضافة على الديزل يُعتبر محلَّ نقاشٍ كبيرٍ؛ فالاقتصاد الفرنسي يعاني تفاوت المستوى بين الطبقات الشعبيَّة، ويمرُّ بفترة تغييرٍ شبه جذريَّة منذ وصول الإدارة الجديدة، كما أنَّ الاقتصاد الأوروبي –الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفرنسي- يمرُّ بظروفٍ مُتعثِّرةٍ، وقد يتعرَّض لهزةٍ عنيفةٍ إن خرجت بريطانيا منه، وهذه الضريبة لا تخدم قطاع النقل في تسويق المنتجات والمحاصيل الزراعيَّة الفرنسيَّة التي تأخذ مرتبة الصدارة في الاتحاد الأوروبي.
هذا إلى جانب مرور الاقتصاد العالمي بمجمله بحالةٍ من تباطؤ النمو والهشاشة وارتفاع قياسيٍّ بنسبة الدين العام، وهي كلُّها مؤشِّراتٌ تدعو إلى تصريف الأمور الاقتصاديَّة والماليَّة بحكمةٍ وحذرٍ شديدٍ؛ فالاقتصاد العالمي الضحل في يومنا هذا قد يسحب أيَّة دولةٍ نحو الغرق إن اختارت نهجاً جذريَّاً متهوِّراً لا يتناغم مع احتياجات ومشاكل اقتصادها الوطني، ويتفاعل مع الاقتصاد العالمي.
وكثيراً ما كنت أتأمَّل النصوص القانونيَّة الاقتصاديَّة بتأنٍّ وتمحيصٍ فيما وراء السطور بهدف استخراج الغايات التشريعيَّة، ولكن في معظم الأحوال كانت تظهر الهياكل القانونيَّة بعيدةً عن الواقع التي تحاول تنظيمه، ليس من باب الصياغة بل من صميم الغاية التشريعيَّة ذاتها.
والسبب أنَّ إصدار القانون ليست مهمَّةً نظريَّةً، بل عمليةً بالمطلق، وتزداد خطورة هذا الأمر بصدد القرارات التنفيذيَّة التي تُصدرها الحكومة بمقتضى القانون؛ فعلامَ استند القرار الذي رفع ضريبة القيمة المضافة هذه في فرنسا؟ وما كان هدفه من الأساس؟.
وفقا للإدارة الفرنسية، يندرج هذا القرار ضمن مجموعة من الإصلاحات الاقتصاديَّة التي تهدف إلى رفع "التنافسيَّة الفرنسيَّة" French Competitiveness - Compétitivité Française والتخفيف من استخدام محركات الوقود الأحفوري.
ولكن السؤال هنا: هل ترتفع التنافسية من الضرائب المفروضة على المستهلكين بهذه الطريقة المتصاعدة المفاجئة؟، ثم إنَّ الانتقال إلى المحركات الصديقة للبيئة هل يبدأ من وقود كلِّ سيَّارةٍ بذاتها أم من مصانع هذه السيَّارات أولا؟.
الحقيقة أن أقلَّ ما يمكن إطلاقه على قرار رفع ضريبة القيمة المضافة للوقود في فرنسا هو أنَّه قصير النظر!.
فالتنافسية كمبدأ عام يهدف إلى خلق بيئة ضرائب منخفضة وجاذبة للمستثمرين الأجانب من جهة، ورفع قدرة المنشآت الاقتصادية الوطنيَّة على المنافسة بمنتجاتها داخل وخارج الدولة من جهة أخرى، ولكن تخفيف الضرائب عن هذه المنشآت ونقلها إلى المواطنين يجب أن يقترن بالارتفاع الحقيقي لدخل المواطنين، عندها ستوجد بيئة تجاريَّة مرنة تتعدَّد فيها الخيارات أمام المستهلك وتتساوى فيها فرص الإنتاج والتوزيع، وهذا ما سيدعم اقتصاد السوق، وسيمنح الدولة حصيلةً وفيرةً من الضرائب.
وبالنسبة لضريبة القيمة المضافة المفروضة على الأفراد بعد ارتفاع القوة الشرائية، فلن يلاحظها أحد في سيناريو التنافسية العالية هذا؛ لأن الدخل الفردي سيكون قد ارتفع إلى الحدِّ الذي ارتقى بمستوى المعيشة في ظلِّ قدرة المنشآت الوطنيَّة على التنافس في الخارج وارتفاع المنافسة بينها في الداخل.
ولكن في الحقيقة، يبدو أن سيناريو السترات الصفراء لم يظهرْ حتى في كوابيس الإدارة الفرنسيَّة، لأنَّ قرار رفع ضريبة القيمة المضافة على الوقود قد أدى إلى انخفاض "القوة الشرائيَّة" Purchasing Power - Pouvoir D' Achat الخاصَّة بالمواطنين بشكلٍ كبيرٍ، وهذا الانخفاض يُعتبَر من أهم عوامل طرد الاستثمار الأجنبي وتقويض الوطني، وهو من أكبر المآزق التي تواجهها التنافسيَّة الفرنسيَّة حاليَّاً بعد رفع الضرائب وانتشار أحداث الشغب.
أي أنَّ ضريبة القيمة المضافة على الوقود في فرنسا قد أدَّت إلى نتيجةٍ عكسيَّةٍ بالطعن في صميم تنافسيَّتها، وهو أبلغ صور الفشل في رسم السياسات الاقتصاديَّة!.
أما بخصوص الانتقال للمحرِّكات الصديقة للبيئة كالمحرِّك الكهربائي، فهو أمرٌ بحاجةٍ إلى خطَّة تطويرٍ طويلة المدى لمصانع السيَّارات ذاتها، بحيث تنتقل بالتدريج في تطوير طرازاتها وهندسة محركاتها نحو إنتاج المحرِّك الكهربائي كما يحصل حاليا في ألمانيا؛ أي أنَّه قضيَّة مُلحَّةٌ بيئيَّاً ولكنَّها بعيدة المنال خدميَّاً، فهي تحتاج إلى هوامش عالية من الترف والرغد لتطبيقها.
ثم إن أولويَّات الاقتصاد تفرض التدرج بتطبيق السياسات التطويريَّة في ظلِّ وجود أولويَّة أبدى وهي تخفيف معاناة المواطن، فالقانون عندما يُثقل كاهل الطبقات الفقيرة وحدها بهدف رفع المستوى والكفاءة العامَّة سيفشل بكلِّ تأكيدٍ؛ فيجب أن تتحمَّل السيولة الجامدة غير المُشغَّلة من الطبقات الغنيَّة مسؤوليَّة الإصلاحات الاقتصاديَّة أولاً، وذلك وفقاً لهوامشٍ ضريبيَّةٍ معقولةٍ تأخذ في حسبانها مقدار الدخل، بحيث تتناقص بشكلٍ متدرِّجٍ كلَّما اتجهنا نحو أقلِّ الطبقات دخلاً، وهذا يجب أن يتناغم مع منح بعض الإعفاءات الضريبيَّة للمشاريع الاقتصاديَّة الوطنيَّة المتعثِّرة، والأجنبيَّة الواعدة والاستراتيجيَّة.
وبالتالي، فإن حركة السترات الصفراء أظهرت أن القرار التنفيذي برفع الضرائب قد ابتعد بالقانون الفرنسي عن الواقع.
فيجب أن تنشأ كل السياسات الاقتصاديَّة من أرض الشارع، ومن آهات الناس، وحتى من تمتمات العمَّال والتجِّار والموظَّفين والطلاَّب،.. يجب أن تنتمي هذه السياسات لمطالبهم وصوتهم وأن تُحقِّق تطلُّعاتهم وترتقي بمستقبلهم.
وعلى الأطر التنفيذية للقانون الاقتصادي أن تراعي أضيق الطبقات الاجتماعيَّة، وأن تخدم أفقر الفئات وأغنى مشاريع الأعمال الوطنيَّة والأجنبيَّة بشكلٍ متوازنٍ، وذلك بشكلٍ يستهدف بوضوح مصلحة كلِّ مواطنٍ على حدة ومجموع الشعب بكلِّ طبقاته مع اختلاف دخلها وألوانها!.
الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص بورصة الأوراق الماليَّة)



Create Account



Log In Your Account