تعويضات ضحايا الإرهاب.. مسئولية من ؟

كتب : بقلم \ عادل عامر
2016-12-22

إن الإقرار بحق التعويض يندرج في إطار القانون المدني الذي يقرّ بهذا الحق، وهو جزء من الاعتراف بالانتهاكات الماضية وبالمسؤولية إزاءها الفردية والجماعية، خصوصاً لتعويض الأضرار والالتزام العلني بالاستجابة لآثارها وعلاجها.
"عدم حسم قضايا التعويض سريعاً والاستغراق في الروتين والبيروقراطية يؤدي أحياناً إلى إلحاق أضرار جديدة لدى الأشخاص الذين يطالبون بالتعويض"وغالباً ما ذهبت الدول وتجارب العدالة الانتقالية إلى اعتبار الاعتراف العلني أهم عنصر من عناصر التعويض، وتزداد فاعليته بالكشف عن الحقيقة وإصلاح المؤسسات وتوفير آليات للمحاسبة وإحياء الذكرى، كما أن التعويض لا ينبغي أن ينصب على إسكات الضحايا أو إسدال الستار على الماضي، بقدر كون التعويض وسيلة من وسائل البناء، لاسيما لفترات ما بعد النزاع من أجل إعادة بناء السلام والأعمار سواء كان التعويض مادياً أو معنوياً.
إن هدف التعويض هو إعادة الثقة وإدماج الضحايا في المجتمع دون إهمال الجانب المادي. وسواءً كان التعويض فردياً أو جماعياً لا بدّ من وضع أسس لمبادئ العدالة والمساواة وتجنّب المحاباة أو التمييز، ذلك لأن التعويضات ذات طبيعة رمزية للحق الذي يتمتع به كل فرد على حدة والاعتراف بقيمة كل فرد في المجتمع.عموما أثار مبدأ تعويض ضحايا الجريمة عموما ،و ضحايا الجريمة الإرهابية خصوصا ،جدلا واسعا في الأوساط الفقهية حول الأساس الذي يستند إليه فقد ذهب جانب من الفقه إلى إنكار التزام الدولة بتعويض ضحايا الجريمة بوجه عام و برروا ذلك بعدة حجج منها : -
إن نظام المسؤولية الشخصية للجاني يكفي لحماية المتضرر ،بالإضافة إلى ما تقدمه نظم التأمينات مالضرر، نقدي . -،كما أن تقرير مسؤولية الدولة حسب هذا الرأي من شأنه التمييز بين الضحايا ،فهناك ضحايا الكوارث الطبيعية و ضحايا الأمراض الفتاكة،فلا مبرر لتمييز ضحايا الجريمة الإرهابية بأحكام خاصة ،ـفشبكة الحماية الاجتماعية كفيلة بمساعدة هؤلاء المتضررين كغيرهم .
- التزام الدولة التعويض من شأنه أن يؤدي إلى إهدار المسؤولية الفردية و شخصية العقوبة كما يمكن أن يقلل من حرص الضحايا لمنع الجريمة أو التعاون مع أجهزة الدولة في التبليغ عن المجرم . -إثقال ميزانية الدولة بأعباء أخرى تضاف إلى تلك التي خصصتها للوقاية من الجريمة ذاتها مما قد يجعل الدولة عاجزة عن التعامل مع الجريمة بشكل فعال. -لا يمكن قياس أضرارا لجريمة الإرهابية على أضرار الجرائم الأخرى نظرا للفارق الكبير في جسامة الضرر ،فلا مانع من وجود نظام تكميلي يتكفل بهذا النوع من الضحايا .
- من المسلم به أنه يقع على الدولة توفير الأمن و في حالة الإخلال به عليها أن تتحمل نتائج هذا التقصير بتحمل التعويض عن الضرر الذي تخلفه جرائم الإرهاب. وإذا أردنا تقييم الاتجاهين ،المؤيد و المعارض ،نجد أنه لا تعارض بين الاتجاهين ،و كلاهما يقر بحق الضحية في التعويض ،فالاتجاه الأول يكتفي بمبدأ المسؤولية الشخصية على الاعتبار أن الحلات التي لا يعرف فيها الجاني حالات استثنائية و حتى الجريمة الإرهابية فهي جريمة عابرة أو غير عادية منطلقها قناعات سياسية أو دينية خاطئة. بينما يرى الاتجاه الثاني ،ضرورة إيجاد نظام مكمل لنظام المسؤولية الشخصية و هو نظام احتياطي لا يمكن تحريكه إلا بعد أن يعجز النظام الأول على إصلاح الضرر. لقد جاءت فكرة التضامن الاجتماعي كمحاولة للتأسيس لمبدأ تعويض ضحية الجريمة الإرهابية و تستند هذه النظرية إلى مبدأ الشعور الإنساني الذي يرتكز عليه كل إجراء يهدف إلى مساعدة الأشخاص الذين يوجدون في وضعية صعبة ،و هذا الشعور مبدؤه تضامن أفراد المجتمع فيما بينهم ،حتى في غياب المؤسسة الرسمية فهو نابع من الشعور بالانتماء إلى الجماعة أو الأمة و الإنسانية قبل الدولة (المؤسسة ).
و في هذا السياق يجب أن تكون الدولة أول من يبادر بهذا التضامن باعتبارها ممثلة الجماعة ، و هذا لا يمنع أفراد المجتمع من المشاركة في هذا الواجب حتى في غياب الدولة أو مؤسساتها لقد شكل مبدأ جماعية التعويض منطقا مبدئيا لفكرة تحمل الدولة عبء التعويض في هذا النوع من الجرائم ،و الحقيقة أن مبدأ جماعية التعويض ليس حديثا بل يجد تطبيقاته في مجالات عديدة أولها كان في تقرير مسؤولية الأشخاص الاعتبارية عن أعمال موظفيها ،كما نعكس في نظام التأمين ذلك أن الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها التأمين بوجه عام هي توزيع المخاطر على أكبر عدد من الأفراد ،فهو يقو على فكرة التضامن ،فتحمل الكيان الاجتماعي التعويض عن طريق الذمم الجماعية بدلا من المسئول هو مظهر هام لجماعية التأمين .
و على هذا الأساس فالتزام الذمة الجماعية أو النظام الجماعي عبء التعويض ليس هو الخطأ أو اللوم الأخلاقي ،و إنما هو لحماية المضرور استنادا إلى فكرة التضامن الاجتماعي -إن إصلاح الضرر ليس حقا و إنما هو مساعدة من الدولة لمن هو في حاجة إليها و بمفهوم المخالفة لا تمنح لمن تكون ظروفه المادية جيدة و لا تحدث له الجريمة اضطرابا في ظروف المعيشة .
- لا تتقرر المساعدة بمجرد وقع الجريمة أو الضرر كما هو الحال في قواعد المسؤولية التقليدية،و إنما يقرر منحها بناء على ظروف المتضرر-كون التعويض هنا مجرد مساعدة اجتماعية لا ينعقد الاختصاص بنظر تقريره إلى القضاء ،وإنما إلى اللجان الإدارية الناظرة في طلبات المساعدات الاجتماعية .
-أن هذا النوع من التعويض ذو طبيعة احتياطية. و بدون مبالغة يمكن القول أن الجريمة الإرهابية من أخطر الجرائم التي تستوجب مساعدة المتضررين منها لما تخلفه من أضرار جسدية في غالب الأحيان كالقتل و كذا جرائم الأموال و نظرا لجسامة الأضرار و محدودية إمكانية الدولة لجأت الدول إلى إنشاء مؤسسات بتمويل خاص تتكفل بتعويض ضحايا الجريمة الإرهابية و هو ما عرف في النظام الفرنسي بصناديق الضمان يتم تمويله من بواسطة الاشتراكات الخاصة بعقود التأمين على الأموال و يتمتع هذا الصندوق بالشخصية الاعتبارية و ينص القانون على تشكله إدارة الصندوق
1 ـ إن التعويض حق للمضرور من الجريمة و ليس منحة من الدولة، فتلتزم الدولة بتعويضه بصرف النظر عن حاجته أو مستوى دخله الاجتماعي، و دون الحاجة إلى إثبات تقصير الدولة في منع وقوع الضرر، و هي التوصية التي تقدم بها مؤتمر بودابست المشهور، و التي كانت توصية متقدمة جدا بالنظر إلى مستوى التشريعات المقارنة . 2 ـ تلتزم الدولة بتعويض المجني عليهم في كل أنواع الجرائم دون تمييز بينها، سواء كانت جرائم واقعة على الأشخاص مثل القتل والجرح ... أم جرائم واقعة على الأموال مثل السرقة و النصب ... أم جرائم ماسة بالشرف مثل الزنا و هتك العرض . ، فالتعويض لابد و أن ينظر إليه باعتباره وسيلة لجبر الضرر دون الاكتراث بنوع الجريمة المرتكبة .
3 ـ إن الالتزام الواقع على عاتق الدولة لا يميز بين نوع الضرر، لأنه التزام عام بالتعويض عن جبر جميع أنواع الأضرار التي تحدثهـا الجريمة، أي دون تمييـز بين الضرر المالـي أو الجسمـاني أو الأدبي .
4 ـ إن الجهة التي يجب أن تفصل في مسألة التعويض يجب أن تكـون جهة قضائية سواء كانت مدنية أم جزائية، لأن مخالفة الالتزام القانوني تقتضي المساءلة أمام المحاكم .

بقلم / الدكتور عادل عامر
دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام
ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية
والاقتصادية والاجتماعية


Create Account



Log In Your Account