محمد رضا يكتب : طرح الشركات الحكومية في البورصة المصرية

كتب : بقلم / محمد رضا
2017-09-28 16:09

تمتلك الحكومة المصرية مجموعة من الشركات في قطاعات متعددة منها شركات ناجحه تساهم في الناتج المحلي الإجمالي وتمول خزينة الدولة بأرباحها وتساهم في تغطية الطلب في السوق المحلي وخاصة في قطاعي البترول والبنوك وهناك مجموعة أخرى من الشركات تتراكم خسائرها وتحتاج تمويلات كبيرة من الحكومة لإعادة هيكلتها وتطويرها لوضعها على مسار الربحية والمساهمة في دعم الاقتصاد المصري، ولكن لاتمتلك الحكومة المصرية حالياً التمويلات الكافية لضخ سيولة في هذة الشركات في ظل فجوة تمويلية كبيرة تعاني منها الحكومة المصرية في موازناتها حالياً مابين 10 إلي 12 مليار دولار أمريكي سنوياً ومحاولاتها لسد هذة الفجوة عن طريق الأقتراض وتخفيض الدعم ورفع الضرائب مع توجيها لبند الاستثمارات الحكومية في الموازنة العامة بشكل رئيسي لمشروعات البنية التحتية، لذلك فأنه لاتوجد أية تمويلات حكومية متاحة أو قد تتاح لتمويل الشركات الحكومية المتعثرة لإعادة هيكلتها وأستمرار الشركات الحكومية الخاسرة على هذا الوضع يضعها على مقصلة الإنهيار، وفي نفس الوقت فإن التجربة القاسية التي تعرضنا لها ببرنامج الخصخصة للشركات الحكومية الذي طبق في العقد الماضي بشكل خاطىء وفاسد وبصورة كارثية وفي ظل تعمق منظومة الفساد في الدولاب الحكومي والتي يصعب معها إعادة هذة التجربة القاسية حتى ولو كان بشكل صحيح، فلم يصبح أمام الحكومة المصرية إلا التوجه إلي طرح الشركات الناجحة في البورصة المصرية وإستخدام حصيلة الطرح في تمويل إعادة هيكلة الشركات الحكومية الخاسرة والمتعثرة وكان توجة الحكومة لهذه الإستراتيجية ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أقره صندوق النقدي الدولي لمنح مصر قرضا بقيمة 12 مليار جنيه خلال 3 سنوات، ويشمل برنامج الطروحات الحكومية طرح 24 شركة تابعة لقطاع الأعمال العام في البورصة والذي تستهدف منه تحصيل ما بين 8 إلى 10 مليارات دولار خلال 3-5 سنوات القادمة، وتتمثل إستراتيجية الطرح في شقين الأول طرح حصص من بعض الشركات الجاهزة للطرح والثاني خاص بالشركات المطروحة فعليا من خلال رفع حصص الطرح لنحو 12 شركة مطروحة بالفعل.

لذلك فإن توجه الحكومة في الأعتماد على البورصة المصرية هو خطوة جيدة تعكس تغير نظرة الحكومة للبورصة المصرية بأنها السوق التمويلي الأهم لدعم الاقتصاد القومي وأنها أهم السبل التي تدعم إعادة هيكلة شركات القطاع العام وتوفير التمويل اللازم للتوسع وزيادة ربحيتها وحجم أعمالها بعيداً عن الأستدانة والتي أثقلت كاهل شركات القطاع العام وحملت الموازنة والاقتصاد القومي أعباء لانهاية لها بالديون والتي تعيق بشكل كبير نمو أداء شركات القطاع العام ونجاح خطط إعادة هيكلته، ولكن بشرط أن يتم إستخدام حصيلة الطرح للشركات الناجحة في تمويل إعادة هيكلة وتطوير الشركات الحكومية الخاسرة والمتعثرة وليس إستخدام حصيلة الطرح في تمويل عجز الموازنة والفجوة التمويلية المتنامية بشكل كبير، وتعد البورصة أو سوق رأس المال هي أحد أهم مصادر التمويل للمشروعات والتي تدعم التوسعات الرأسمالية للشركات وتساعدها على النمو والتطور من خلال المشاركة الاستثمارية وبدون أية تكاليف أو أعباء ومثلت البورصة المصرية طريق النجاح والتطور للعديد من الشركات في القطاع الخاص والتي بطرح أسهمها في البورصة ساعدها على النمو بشكل كبير وتحولت لشركات عملاقة، وسيكون لبرنامج الطروحات الحكومية عائد إيجابي قوي على البورصة المصرية بطرح 24 شركة تابعة لقطاع الأعمال العام خلال 3-5 سنوات حيث سيمثل دفعة كبيرة وهائلة لتنشيط البورصة وإضافة قطاعات جديدة فيها وزيادة السيولة ودخول مستثمريين جدد محليين وأجانب وجذب لرؤوس أموال جديدة والذي سيحدث تطور قوي لأدائها لأتاحة الاستثمار في هذه القطاعات، وتعد تعزيز لدور البورصة كأحدى أهم القنوات للتفعيل الحقيقي لمفهوم الشركة بين القطاع العام والخاص في القطاعات الإستراتيجية كما نرى أن قيد شركات القطاع العام في البورصة يحقق هدفًا آخر مهمًا أيضا وهو توافر الشفافية والإفصاح بما يمكن المواطنين من متابعة أوضاع تلك الشركات ونتائج أعمالها لينعكس في النهاية بشكل إيجابي على الاقتصاد المصري ككل.

لذا يطرح سؤال: لماذا الطرح في البورصة هو الأفضل للشركات الحكومية من الخصخصة؟ أولاً: القيمة العادلة للطرح سيتم إعدادها من قبل مستشاريين ماليين مستقليين والتي ستحدد قيمة بيع الحصص في الشركات الحكومية وستخضع للمراجعة مسبقاً من الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية قبل إعلان القيمة العادلة وتنفيذ الطرح، ثانياً: سيتم طرح حصة محدودة كما هو متوقع لا تتعدى نسبة 25% من رأس المال وبالتالي فإنه ستستمر سيطرة الحكومة المصرية عليها وستظل تحت إدارتها وكذلك فإن الجزء المطروح سيتفتت على عديد من المستثمرين وفقاً لقواعد القيد لايقل عن 300 مستثمر وبدون حد أقصى وبالتالي فلن تكون الحصة المباعة عن طريق الطرح في يد مجموعة واحدة وانما سيمتلكها مجموعة من المستثمرين وقواعد التداول في البورصة المصرية تعيق سيطرة مجموعة من المستثمريين مرتبطين على الحصة المطروحة من الشركة، كما أن تداول أسهم الحصة المطروحة وتحديد سعر السهم وفقاً لقوى العرض والطلب وأداء الشركة المالي يوفر آلية تسعير يومية لقيمة الشركات الحكومية المطروحة كما يضمن طرح الشركات في البورصة تطوير هذه الشركات، وتعزيز الشفافية والحوكمة والإفصاح مما يجعل أداء الشركات الحكومية تحت رقابة ومتابعة يومية وتقييم دائم لها، كما يمنح لها الفرص لزيادة رأسمالها في أي وقت عن طريق البورصة لتمويل التوسعات الاستثمارية والأنتاجية مما يمنحها قدرات هائلة على التوسع والنمو وبالتالي تعظيم قيمة الشركات وزيادة مستويات الربحية وقيمة الأصول مما يزيد من العائد لخزينة الدولة من أرباحها بشكل مستمر ويعظم من مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وتغطية أحتياجات السوق المحلي والمساهمة في التصدير مما يفتح أفاق أكبر لموارد من النقد الأجنبي. حيث يعد مفهوم الطرح في البورصة هو بيع جزء من ملكية الشركة للمستثمرين في البورصة (السوق الأولي) ثم بعد ذلك يتم التداول على الأسهم المطروحه بيعاً وشراءً (السوق الثانوي)، وذلك على عكس الخصخصة والتي كانت تقوم ببيع الشركة بالكامل لمستثمر دون أن تكون هناك جهات رقابية تراجع الأمر مسبقاً وتحدد سعر البيع.

ولكن نرى على جانب التنفيذ أنه توجد حالة من التخبط الشديد من جانب الحكومة في تنفيذ برنامج الطروحات فقد تم تكوين أكثر من لجنة وزارية للإشراف على هذا البرنامج أخرها اللجنة التي تم تشكيلها وعقد أول إجتماع لها منذ أيام، وقبلها تصريحات كثيرة عن طرح شركات ثم يتم التراجع ثم يتم صدور تصريحات أخرى بطرحها، لنجد بعد شهور من الإعلان عن برنامج الطروحات الحكومية أن محصلة التنفيذ هي الإعلان عن طرح 24% من شركة انبي وسط تضارب التصاريحات عن موعد الطرح مابين الربع الأخير من عام 2017 والربع الأول من عام 2018، وطرح بنك القاهرة دون معرفة أية تفاصيل عن نسبة الطرح أو الموعد المقترح، وتحت مسمى "جاري حصر الشركات الحكومية للطرح" كانت التصريحات الأخيرة للمسؤولين أي أنه حتى الآن وبعد شهور من الإعلان عن برنامج الطروحات الحكومية لم يتم تحديد الشركات التي سيتم طرحها (الشركات الناجحة) والشركات التي سيتم إستخدام حصيلة الطرح لإعادة هيكلتها وتطويرها (الشركات المتعثرة)، وكذلك نرى التجربة التي سبقتها منذ شهور وتحديداً في شهر سبتمبر الماضي عندما طرحت الحكومة شركة مصر لإنتاج الأسمدة «موبكو» كأول شركة عامة يتم قيدها وتداولها في البورصة بعد نحو 10 سنوات من آخر طرح لشركات حكومية «المصرية للاتصالات، أموك، وسيدي كرير للبتروكيماويات»، وشهد طرح موبكو أخطاء كبيرة بالرغم من أهمية هذا الحدث والذي كان يعد بداية لبرنامج الطرحات الحكومية حيث جاء بدء التداول على أسهم شركة موبكو باهت وضعيف ولا يليق بأهداف برنامج طرح الشركات المصرية في البورصة ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلي تقييم السهم وتوقيت بدء التداول والتسويق والترويج، وخاصة أننا لم نرى أي أعمال ترويج أوتسويق للسهم بالرغم من أنها الشركة الأولى في برنامج الطروحات لشركات حكومية. وبالنظر إلي حالة الاستثمار في البورصة المصرية الآن نجد أن حالة السوق غير مهيئة تماماً لإستقبال طروحات جديدة بأحجام كبيرة بسبب أرتفاع أسعار الفائدة والتي أدت إلي إحتجاز وتحول السيولة إلي القطاع المصرفي وكذلك إرتفاع تكلفة التداولات بعد تطبيق ضريبة الدمغة مما أدى إلي تقليص أحجام السيولة بشكل كبير.

لذلك فإن طرح شركة أنبي سيكون البداية الحقيقية لبرنامج الطروحات الحكومية وسيمثل إختبار لمدى نجاح تنفيذ البرنامج والأستمرار فيه، وأن نجاحه سيحدد الخطوة القادمة في تنفيذ برنامج الطروحات لباقي الشركات والبنوك الحكومية المستهدفة بالطرح، لذلك يجب على اللجنة المخنصة إتباع مثلث النجاح للطروحات وهو قيمة عادلة، وتوقيت مناسب وترويج أمثل لضمان نجاح الطروحات الحكومية القادمة وخاصة في الطرح القادم لشركة أنبي، حيث يجب تحديد قيمة عادلة لطرح الأسهم وتسعير الأسهم بشكل جذاب، وأختيار التوقيت المناسب للطرح وتهيئة السوق أولاً من خلال زيادة أحجام التداول والسيولة به لإستيعاب برنامج الطروحات والذي سيكون تخفيض أسعار الفائدة لدى البنك المركزي من أكبر وأهم المحفزات لزيادة التداول والسيولة ودخول مستثمريين وجذب إستثمارات جديدة في البورصة، وكذلك القيام بأعمال الترويج للطروحات عن طريق مؤسسات

متخصصة وأستقطاب عملاء المؤسسات وعملاء الأفراد ذوي الملاءة وتوفير صانع سوق لطروحات الشركات الحكومية.

بقلم : محمد رضا، الرئيس التنفيذى لبنك الاستثمار «سوليد كابيتال» 


Create Account



Log In Your Account