د. همام القوصى يكتب : آفاق استخدام (إنترنت الأشياءIoT) في عصر (الثورة الصناعية الرابعة4IR)؟؟

كتب : بقلم / د. همام القوصى
2018-06-06 17:06

لقد مرَّ سعيُ الإنسان إلى تحقيق أعلى أداءٍ صناعيٍّ وأرقى مُنتَجٍ أو خدمةٍ بأربع مراحلٍ تاريخيَّةٍ كان كل منها يُمثِّل ثورةً صناعيَّةً قد انتقلت بالمنظومة الاقتصاديَّة إلى عصرٍ جديدٍ، وكان ما يُميِّز هذا الانتقال دائماً هو ظهور اختراعٍ مذهلٍ يَقلبُ موازين الصناعة، ويَنتقلُ بها إلى ظروفِ إنتاجٍ ومعاييرِ جودةٍ كانت خياليَّةً في العصر الصناعي السابق، وهو ما يُمكن تسميته بالـ: "الابتكار الـمُزَعزِع" "Disruptive Innovation".
فالابتكار الذي يُوصَف بالـمُزَعزِع؛ هو القادر على إنشاء دائرة عملٍ تكنولوجيَّةٍ جديدةٍ، وإيجاد قيمةٍ ثوريَّةٍ في نوعيَّتها، ما يؤدِّي إلى تغيير معايير جودة الصناعة، واندثار التكنولوجيا السابقة مع اختفاء الطلب على سوقها وقيمتها، فتصبح من التاريخ.
وهنا نعود بالذاكرة إلى الثورة الصناعيَّة الأولى1IRفي القرن الثامن عشر، حيث تمَّ تطوير الـمُحرِّك البخاري؛ وهو ما قد نقل المجتمعات الريفيَّة الزراعيَّة إلى صناعيَّة في أوروبا والولايات المتحدة، فكانت الطاقة البخاريَّة هي الابتكار الـمُزَعزِع في تلك الحقبة.
وبعدها جاء استخدام الطاقة الكهربائيَّة في أواخر القرن التاسع عشر وقبل بدء الحرب العالميَّة الأولى، الذي قد أدَّى إلى توسُّعٍ هائلٍ بالإنتاج الصناعي، ما يُعتبر الثورة الصناعيَّة الثانية2IR.
ثم الثورة الصناعيَّة الثالثة3IR في الحقبة التي تمتدُّ من الثمانينيات إلى الفترة ما زلنا في ظلِّ خواتيمها؛حيث ظهرت التكنولوجيا التي انتقلت من الميكانيك إلى التكنولوجياالرقميَّة، وهي الابتكار الذي نقل الصناعة من الأدوات التقليديَّة إلى الكمبيوتر والاتِّصال بالإنترنت.
ولكن منذ أن بلغَ ولوج الذكاء الاصطناعيفي حياتنا مَبلغَ الدور الأساسيَّ في إدارة وتطوير الصناعةعبر محاكاة الآلة للذكاء والمنطق البشري، فقد ظهرت بوادرٌ لثورةٍ صناعيَّةٍ جديدةٍ، خاصَّةً بعد أن باتت الروبوتات تلعب دوراً جوهريَّاً في معظم الصناعات الثقيلة الاستراتيجيَّة.
ولئن كانَ اهتمامُ معظم المراقبين قد اتَّجه في إعلان الثورة الصناعيَّة الرابعةThe Forth Industrial Revolution 4IR إلى الروبوتات، فقد أهمل الكثير منهم التركيز على تكنولوجيا "إنترنت الأشياء" "Internet of Things IoT"؛ والتي تعني قدرة الأجهزة الذكيَّة –ومنها الروبوتات- على التواصل وتبادل البيانات بمفردها عبر الإنترنت.
ففي بداية العقد الذي نعيش، ظهر استخدام إنترنت الأشياء في إطار السلع المنزليَّة بغرض تواصل الـمُستخدِم معها؛ فكانت الثلاَّجة الذكيَّة مثلاً التي تستطيعُ عملَ مسحٍ لموجوداتها، والتحقُّق من كفاية المواد الغذائيَّة ومدى صلاحيَّتها للاستهلاك، ثم تقوم الثلاَّجة المرتبطة بالإنترنت بإرسال تنبيهٍ إلى هاتف المستخدِم توجُّههُ فيها إلى شراء ما يلزمه من موادٍ أو إتلاف المواد الفاسدة، كما بإمكانها طلب شراء المواد الناقصة من المتجر دون الرجوع للمستخدِم، وبالمقابل فبإمكان المستخدِم عبر هاتفه الذكي التحكُّم بتشغيل هذه الثلاجة عبر الإنترنت دون التواجد في المنزل.
إلاَّ الثورة الصناعية الرابعة لن تنشأ من هذه السلع،بل من تسخير وتطوير إنترنت الأشياء في تواصل الروبوتات الصناعيَّة الضخمة، وهذا يترافقُ معسعيالشركات العابرة للقارات دائماً إلى تحقيق معايير أداءٍ عاليةٍ بغرض الإذهال وجذب الزبائن، ثم تحصيل أرباحٍ خياليَّةٍ، مع تجاهل أيَّة مخاطرٍ أو انتهاكاتٍأخلاقيَّةٍ تترافقُ مع الابتكار الجديد خاصَّةً إن كان مزَعزِعاً.
ففي صدد إنترنت الأشياء، ستنطلق هذه التكنولوجيا في آفاق الصناعة الواسع، وهذا ما سيؤدِّي إلى ارتباط مجموعةٍ ضخمةٍ من الروبوتات التي تقوم على تنفيذ خطِّ الإنتاج ببعضها البعض، فتتواصل وتُرسِل لبعضها البيانات والكشوف والمواصفات، ثم تقوم على الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى حتى نهاية دورة الإنتاج في المصنع الذكي بالكامل.
وهكذا، سيكونالوجودالبشري في المصنع الذكي محدوداً جدَّاً -إن لم نقل معدوماً-، ما سيُلغي أيَّ وجودٍ لرأس المال البشري سوى في إطار تصنيع وبرمجة ومراقبة وصيانة الروبوتات وشبكة الإنترنت التي تتواصل الآلات عن طريقها.
إنَّ مثل هذا المستقبل القريب، سيؤدِّي بالتأكيد إلى قيام الثورة الصناعيَّة الرابعة في رفع معايير كفاءة الإنتاج من حيث الكم والكيف، ولكنَّ ذلك سيكون على حساب فقدان فرص العمل أمام الشريحة الشابَّة في المجتمع بشكلٍ مريعٍ ومتسارعٍ، ودون توفير البديل، على عكس الابتكارات المزَعزِعة السابقة التي قامت بإنشاء موجاتٍ عاتيةٍ من النمو الاقتصادي وفرص العمل.
وفي حالة تطبيق إنترنت الأشياء بهذه الصورة الصناعيَّة العميقة، فسوف نكون بالواقع في إطار التحوُّل الاقتصاديِّ الكاملِ إلى رأس المال الخالص دون عمالةٍ بشريَّةٍ تُذكر، فيُصبح الاقتصاد مجرَّد رأس مالٍ مُقيَّمٍ بمجموعةٍ فائقةَ التقنيَّةِ من الروبوتات الـمتَّصلة ببعضها عبر إنترنت الأشياء، هذا إلى جانب تشكُّل حالةٍ من الانفلات المعلوماتي الخاصِّ بالبيانات التي تتبادلها روبوتات الصناعة بعد توطُّد مكانتها.
الحقيقة أنَّ هذا السيناريو ليس ببعيدٍ عن يومنا هذا، فنحن نتوجَّه إليه لا محالة، في الوقت الذي يبدو أنَّ مجتمعنا العربي ليس مُتهيِّئاً اقتصاديَّاً أو قانونيَّاً لهذا الانتقال الجذري في بيئة العمالة وانتقال المعلومات، هذا إلى جانب أن المغالاة بتسخير إنترنت الأشياء صناعيَّاً واستهلاكيَّاً سيؤدِّي إلى انتقال هذه التكنولوجيا من كونها سلعة أو خدمة إلى ثقافة أوحاجة؛ مثلما جعلت هواتف التطبيقات الذكيَّة جيلاً كاملاً من شباب اليوم في حالة اغترابٍ وانعزالٍ عن الواقع بسبب الانغماس في مواقع التواصل الافتراضيَّة.
ففي الوقت الذي سنعتمد فيه على إنترنت الأشياء للتواصل مع الروبوتات المتشابكة، ستبدأ المنظومات والعُرى الاجتماعيَّة -قبل الاقتصاديَّة- بالتشظِّي؛ لأنَّ الآلات الذكيَّة قادرةٌ على تحقيق خدمةٍ متكاملةٍ دون خطأٍ بشريٍّ في التقدير، إلاَّ أنَّها مع الوقت ستتسلَّل إلى دوائر تشكُّل الذكاء الاجتماعي في شخصيَّة الإنسان، ناهيكَ عن أنَّها ستحل محلَّه في مصدر رزقه.
ما يُظهر أنَّ إنترنت الأشياء هو ابتكارٌ مزَعزِعٌ ليس فقط للتكنولوجيا التي سبقته، ولكن أيضاً لثقافتنا وهويَّتنا وخصوصيَّتنا، ما يتجاوز بمراحلٍ التحوُّل الاقتصاديَّ الجذريَّ الذي رافق الثورات الصناعيَّة السابقة؛فالثورة الصناعيَّة الرابعة ستحمل معها تحوُّلاً اجتماعيَّاً وتغيُّراً في المنطق البشري الخاصِّ بالتعامل مع الآلة.
وإذا ذهبنا أبعدَ من ذلك في تخيُّل المستقبل، سنرى أنَّ إنترنت الأشياء ستُساهم في إنشاء مجتمعٍإلكترونيٍّ متكاملٍ ومتماسكٍ بفعل الأدوار والمصالح الصناعيَّة والاقتصاديَّة، حيث أنَّ وجود الروبوت المستقلِّ تماماً والقادر على التكيُّف مع محيطه قد أصبح أمراً متوقَّعاً خلال الـعشر أعوام القادمة، فالجيل الجديد من الروبوت سيكونُ مثارَ قلقٍ وليس نموٍّ لدى استخدام إنترنت الأشياء.
ولذلك، أرى أنَّ علينا إقرار مبدأ الاستفادة القصوى من تكنولوجيا إنترنت الأشياء في الصناعةولكن في إطار عدم الاعتماد التامِّ عليها؛ خوفاً من إحلال الآلة مكان الإنسان بالمفهوم المجتمعيقبل الاقتصادي، فيجب أن تبقى الآلة خَادِمةًللبشر وليس مُزاحِمةً لهم.
فهل سنكترث لهذا الإعصار التكنولوجي؟،فنتصدَّى لضبطه في إطار تمكين الإنسان وليس تنسيقِه!، أم أنَّ بيئتنا التشريعيَّة ومنظومتنا الاقتصاديَّة بانتظار مزيدٍ من المفاجآت المزَعزِعةفي العصر الصناعي الآتي!!.

 

بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري تخصُّص قانون وأنظمة البورصة)

.

 

 





Create Account



Log In Your Account