د.. همام القوصي يكتب :"دستور العلاقة المستقبلية بين الإنسان والروبوت.. شخص نظير شخص!!"

كتب : بقلم/ د. همام القوصي
2018-06-29 12:06

يبدو أنَّ خيالَ أدباءِ القرنِ الماضي قد استحقَّ مرتبةَ الواقعيَّةِ سريعاً في زمننا هذا، فباتت أحلامُهم –إن لم نقلْ هذيانهم- مصيراً قريباً جدَّاً منَّا، فيما نحن ما نزال نعيشُ في غيبوبة الحاضر، غافلين عمَّا سيكون عنصراً أساسيَّاً في حياتنا بعد مرور بضع سنوات.
ورغم هذا التناقضِ الـمُعاشِ بين انغماسنا في رفضِ استيعاب المستقبل الآتي، واندفاعنا نحو تسخيفِه واعتباره ضرباً من ضروب "العبث"، فإنَّ هذه الحالة هي اعتياديَّةٌ في تاريخ البشريَّة التي اعتادت تجاهل الحداثة من محبَّتها في الروتين والركون إلى التقليد.
فما نتعامل به خلال يومنا هذا من وسائلٍ ووقائعٍ افتراضيَّةٍ كان يُعدُّ في قرنٍ مضى مُجرَّدَ مزحةٍ تتبادلها الأجيال السابقة على طاولات المقاهي، دون أن يلتفتوا لاعتبارها مصيراً محتوماً سيراهُ أولادهم وأحفادهم، ولذلك فلم يُحاولوا حتى الاستعداد له؛ وهذا ما قد أدَّى إلى حدوث كوارثٍ مثل: التلوُّث الفضائي، والاحتباس الحراري، والتصحُّر، وغيرها من آفات: الأنانيَّة للحاضر.
إلاَّ أنَّ ما يحدث في واقعنا الآن لم يكنْ يدور حتى في خلد العلماء!!..
فقد كان مُطلق أحلام العلماء هو الإنسان الآلي، والسيارة ذاتيَّة القيادة، والمصنع ذاتي الإنتاج.. وكلُّها تقريباً قد تحقَّق أو هو على شفا الإنجاز، بينما نرى في واقعنا اليوم الاستعداد الجدِّي نحو قيام الشخص والمجتمع الالكتروني، حتى الانتقال من محاكاة الذكاء الاصطناعي AI للبشر إلى محاكاة البشر له!؛ بغرض الاستفادة من دقَّته، ثم تطوير ملكات التفكير البشرية المكتسبة.
فيما لم يكنْ من منطق فقهاء القانون -الغارقين في تفسير نظريَّات القرون الوسطى- أن يتمَّ تقبُّل فكرة وجود شخصٍ إلكترونيٍّ يسير بإرادةٍ آليَّةٍ ذاتيَّةٍ تقودها برمجة الذكاء الاصطناعي التكيُّفيَّة؛ أي التي تمنح قدرة الاندماج والتعلُّم والتأقلم مع المجتمع البشري دون أيِّ دورٍ للصانع أو المبرمج بعد تشغيل الروبوت وانطلاقه بين أروقة الحياة.
بل إنَّ فقهاء القانون التقليديِّين في عصرنا قد تقبَّلوا على مضضٍ كبيرٍ فكرة العقد والتوقيع الإلكتروني في بداية الألفيَّة الثالثة، مع تكييفها على نصوصٍ التي لا يحتمل معناها التصرُّفات الافتراضيَّة، ثمَّ أصابتهم مواقع التواصل الاجتماعي بحالةٍ من الدوار والرفض، فامتنعوا عن الدخول بالتفاصيل؛ حتى لا تنهار الهياكل القانونيَّة الخشبيَّة التي أصابها العثُّ، وباتت تتساقط وتتداعى..
فكيف لهم قبول فكرة الشخصيَّة الالكترونيَّة المستقلَّة؟؛ أي أن يتمتَّع الروبوت بشخصيَّةٍ وأهليَّةٍ تمنحه الحقوق وتفرض عليه الالتزامات!!.
فما قد أجَّج انتشار الجرائم الإلكترونيَّة في عصرنا، وما قد هدَّم الجدران الأمنيَّة الإلكترونيَّة بفعل الهجمات السيبرانيَّة Cyber Attacks، هو في الحقيقة تقصير وإهمال الفقهاء القانونيِّين للبيئة الافتراضيَّة، وتمسُّكهم بضرورة تكييفها على نصوصٍ نشأت لتحكم وقائع زمنٍ قد انقضى فلم تعدْ قابلةً للتكييف مع حياتنا، وهذا تجاهلٌ لنداء الواجب في اقتراح التأسيس لمنظومةٍ تشريعيَّةٍ مبتكرةٍ تُلائم من حيث طبيعتها الظواهر عالية التقنيَّة.
ورغم أنَّ الفقه القانوني هو آخر مصادر التشريع، إلاَّ أنَّه مَنبتها الفكري، ومُفسِّرها، -والأهمُّ- مُطوُّرها، ومُجدِّدها من الجذور، وهذا ما لم نره بصدد تنظيم العالَم الافتراضي، فيما كان لأدباء الخيال العلمي دورٌ مُذهلٌ في ذلك!..
لقد جاء أدب الخيال العلمي الأمريكي في الأربعينيَّات بفكرة وجود دستورٍ يحكم العلاقة بين الإنسان والروبوت، مُفترِضاً أنَّ الإنسان سيعترف يوماً ما -لا محالة- بشخصيَّة الروبوت القانونيَّة كطرفٍ مؤهَّلٍ حتى أن يكون نظيراً للإنسان، وذلك تحت إطار القواعد التالية:
1- ألاَّ يتسبَّبَ الروبوت بأذىً للإنسان، أو يُلحِقَ به الضرر نتيجة تعطُّله أو عدم قيامه بدوره.
2- أن يُطيعَ الروبوت الأوامر التي يقوم الإنسان بإصدارها له، هذا ما لم تتعارض تلك الأوامر مع القاعدة الأولى (أي ألاَّ يُطيع الروبوت الإنسان في أذيَّة إنسانٍ آخر).
3- أن يحمي الروبوت كيانه ووجوده، هذا ما لم تتعارض تلك الأوامر مع القاعدة الأولى والثانية (أي ألاَّ تؤدِّي حماية الروبوت لنفسه إلى أذيَّة الإنسان أو مخالفة أوامره).
وبعد أن رزحت هذه القواعد ضمن تصنيفات الأدب الخيالي منذ عام 1941 أي منذ حوالي 80 عاماً، نجد الاتِّحاد الأوروبي اليوم قد أقرَّ تقنين الإنتاج الخاصَّ بهندسة الروبوتات Code of Ethical Conduct for Robotics Engineers عام 2017 بالقواعد المستوحاة من دستور أدب الخيال العلمي كما ذكرنا؛ حيث جاء فيها وجوب صناعة الروبوت بما يضمن فرض المبادئ التالية:
1- "الإحسان" "Beneficence".
2- "عدم الإيذاء" "Non-Maleficence".
3- "الاستقلال الذاتي" "Autonomy".
4- "العدالة" Justice"".
ثم صدرت قواعد القانون المدني الأوروبية الخاصة بالروبوت في فبراير عام 2017، ونصَّت على فرض منزلةٍ قانونيَّةٍ مستقبليَّةٍ مميَّزةٍ للروبوت، وهذا ما يندرج ضمن تمهيد الرأي العام لتقبُّل فكرة الشخص الالكتروني، وما سيجد له أثراً على مستقبل التعليم والعمالة والفكر الاجتماعي.
يبدو تماماً أنَّ القواعد هذه تُبشِّر بقدوم الشخصيَّة القانونيَّة الإلكترونيَّة للروبوت المستقلِّ في عمله وتصرُّفاته عن البشر في المستقبل القريب، رغم أنَّ ذلك سوف لن يخدم الإنسان بقدر ما سيُمكِّن الروبوت من الارتقاء من مستوى الشيء إلى الشخص.
فما هو الذي قد دفع أدب الخيال العلمي إلى تبوُّءِ مكانة فقهاء القانون بخصوص دستور العلاقة بين الإنسان والروبوت؟، هل هو وصمُ العلماء للأدباء بالحالمين الواهمين؟، أم هو تَقوقُع علماء القانون في زمنٍ قد تعطَّلت ساعته، وانقطع تواصله مع الحقيقة الآنيَّة؟!، أمَّ أنَّ القانون برمَّته قد أصبح بحاجةٍ لإعادة نظرٍ فلسفيَّةٍ بمدى منطقيَّته؛ كونه معدٌّ لتنظيم حالةٍ مجتمعيَّةٍ بشريَّةٍ وليست مُفترضة!!.
والأهمُّ: هل إنَّ تقاعس الفقه القانوني عن التأسيس لموقف رفض الشخصيَّة الالكترونيَّة وحصر الروبوت في نطاق الاستخدام سيؤدِّي إلى تحقيق أحلام أدب الخيال العلمي في إيجاد الروبوت الشخص؟!، الإجابة لن تكون بعيدة الأجل..
فهكذا سننتقل من موقف الـمُتفرِّج والـمُتذوِّق لتشويق الأكشن في القصص المصوَّرة إلى أن نُصبحَ نحن أبطالها، وشخصيَّاتها، وحتى.. ضحاياها!!...

بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري، تخصُّص قانون وأنظمة البورصة)


Create Account



Log In Your Account