مروة محمد مصطفى تكتب :قاهرة المعز

كتب : بقلم / مروه محمد مصطفى
2018-07-08 22:07

يحتفل المصريون فى 6 يوليو من كل عام بذكرى إنشاء مدينة القاهرة وتأسيسها على يد القائد "جوهر الصقلى" أعظم قادة الخليفة الفاطمي المعز لدين الله،فلقد حاول الفاطميون فتح مصر ثلاث مرات سابقة حتى تولى الخلافة الفاطمية فى بلاد المغرب الخليفة المعز لدين الله الفاطمى 341هـ،وشرع المعز لدين الله فى الإستعداد لفتح مصر منذ (356هـ ـــ 967م) فأنشأ الطرق،وحفر الآبار،وأقام أماكن للإستراحة فى فترات منتظمة،وندب لهذه المهمة أعظم قواده،وهو "جوهر الصقلى" الذى خرج من تونس بجيشه(358هـ ـــ 969م)، ووصل الإسكندرية ودخلها دون قتال،وعندما علم أهل الفسطاط بنبأ وصول الجيش الفاطمى إلى الإسكندرية ندبوا الوزير جعفر بن الفرات لمفاوضة جوهر الصقلى فى الصلح وطلب الأمان على أرواحهم وممتلكاتهم،فكَّون وفداً من أعيان البلاد،وجعل على رأسه أبا جعفر مسلم ابن عبيد الله.
أجاب جوهر الوفد إلى ما طلبوه،وكتب عهداً وأماناً وعدهم فيه بحمايتهم والجهاد عنهم،وتأمين طريق الحج الذى كان قد تعطل بسبب غارات القرامطة،والقيام بما تحتاجه البلاد من إصلاح،كما تعهد بإطلاق حرية العقيدة للمصريين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم،ودخل جوهر على رأس جيشه الفاطمى الفسطاط(شعبان 358هـ ـــ يوليو 969م)،شرع جوهر فور دخوله إلى مصر فى بناء عاصمة جديدة هى القاهرة وأول ما بنى فيها القصر الكبير ليكون سكناً للخليفة وحاشيته، ومقراً لدواوين الحكم،ثم خطط مدينة القاهرة حوله،وبعد عام آخر بدأ فى بناء الجامع الأزهر الذى أفتتح للصلاة لأول مرة فى شهر رمضان(361هـ ـــ يونيو 972م)،وكان السبب فى تسمية المدينة بالقاهرة،أن جوهر عندما وضع الأساس للمدينة الجديدة سماها "المنصورية"،ولعله كان يريد أن يتقرب إلى خليفته المعز بإحياء ذكرى والده الخليفة المنصور،فسمي العاصمة الجديدة بإسمه،واختار لها موقعاً خارج العاصمة القديمة الفسطاط لينزل بها الجند،كما كانت المنصورية خارج القيروان،وسمّي بابين من أبواب المدينة الجديدة باسمي زويلة والفتوح،وهما اسمان لبابيين بمدينة المنصورية فى المغرب،فعندما أتى المعز إلى مصر فى رمضان(362هـ ـــ يونيو 973م)،ومنذ ذلك التاريخ أصبحت مصر مقراً للخلافة الفاطمية،وأصبحت القاهرة عاصمة لهذه الدولة قرنين من الزمان،حتى تأسست الدولة الأيوبية فى (567هـ  ــــ 1171م)،وقد سماها القاهرة وهو فى المغرب تفاؤلاً بأنها ستقهر الدولة القديمة التى قام الفاطميون لمنافستها والقضاء عليها،وهي الخلافة العباسية.
أما الجامع الأزهر فقد بدأ جوهر عمارته فى الجنوب الشرقى من القصر الكبير،وتم بناؤه بعد عامين،فقد كانت القاهرة رابعة العواصم المصرية فى العصر الإسلامى،وكانت سياسة الدولة الإسلامية تقضى بأن تنشأ فى كل عاصمة جديدة مسجد جامع،وترجع هذه السياسة إلى عهد عمر بن الخطاب،فقد كتب إلى ولاته على الأقاليم المفتوحة ومنهم عمرو بن العاص أن يتخذ كل منهم فى عاصمته مسجدا للجماعة،واتباعا لهذه السياسة بنى عمرو مسجده فى الفسطاط،فلما أنشئت العسكر فى أول العصر العباسى بنى فيها مسجد جامع،وعندما أسس أحمد بن طولون مدينة القطائع بنى فيها مسجده الجامع كذلك.
كانت هذه المساجد الجامعة رمزاً لظفر المسلمين ومركزا للدعوة الدينية،وفيها كانت تقام صلاة الجماعة،وكان يؤم الناس فى الصلاة فى العصر الأول ولاة مصر،فقد كان الغرض الأساسى من الفتوح الإسلامية نشر الدين الجديد،ولذلك كانت ولاية الصلاة ذات أهمية كبرى،فكان الوالى على مصر يجمع بين الولاية على صلاتها،ويعين إلى جانبه وال آخر على خراجها،وكانت المساجد أيضاً مقراً لدواوين الحكم،ومجلساً للقضاة،ومعهداً لنشر العلم،ومنبرا لإذاعة الأوامر الحكومية،وقد بُنى الجامع الأزهر وفى مصر مسجدان جامعان،جامع عمرو وجامع أحمد بن طولون،لأن جامع العسكر كان قد هدم وزالت معالمه؛وقصد الفاطميون ببناء هذا الجامع أن يكون مصلى للخليفة وجنوده،وأن يكون مسجداً جامعاً للعاصمة الجديدة،وأن يكون مركزاً لنشر الدعوة الشيعية،وأن يكون رمزاً لإنتصار الدولة الجديدة على الدولة العباسية.
تم بناء جامع الأزهر فى عامين وثلاثة أشهر،وقد سُمي عند انشائه جامع القاهرة بإسم العاصمة الجديدة،وظلت هذه التسمية غالبة عليه طول العصر الفاطمى،ولم يُسمَّ بالجامع الأزهر إلا فى تاريخ متأخر،فقد يرى البعض أن هذا المسجد سمي بالجامع الأزهر بعد انشاء القصور الفاطمية فى عهد العزيز بالله،وكانت هذه القصور تسمى بالقصور الزاهرة،ومن ثم أطلق على الجامع اسم الجامع الأزهر،ويرجح البعض أن هذه التسمية مشتقة من لفظ الزهراء،لقب السيدة فاطمة الزهراء، ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم،وزوج على بن أبى طالب،وإليها تنتسب الدولة الجديدة،وبإسمها تسمى،ولبث الجامع الأزهر موضع عناية الخلفاء الفاطميين جميعاً ورعايتهم

وبدأت فى مصر دولة صلاح الدين الدولة السنية التى قامت للقضاءعلى المذهب الشيعى،فأهمل الجامع الأزهر،لأنه كان المركز الرئيسى لنشر الدعوة الشيعية،وأبطل الخطبة فى ذلك الجامع قاضى القضاة فى عهد صلاح الدين "صدر الدين عبد الملك ابن درباس" وأقرها بالجامع الحاكمى،فقد كان شافعى المذهب،والمذهب الشافعى يمنع إقامة خطبتين للجمعة فى بلد واحد،وظل الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه نحو مئة عام حتى ولى عرش مصر الظاهر بيبرس،فأعيدت الخطبة إلى الجامع،وعادت إليه أهميته،وعنى به كثيراً فى عصر المماليك والعصور اللاحقة إلى وقتنا الحاضر.

كان للأزهر عند إنشائه الصفة الدينية الرسمية،شأنه فى ذلك شأن المساجد الجامعة الأخرى،لكن لم يلبث أن أتخذ صفة أخرى هامة هي الصفة العلمية التعليمية،وذلك منذ فكر الفاطميون فى نشر مذهبهم الجديد بوساطة دروس تلقى فى حلقاته؛وقد كانت المساجد الجامعة التى بنيت قبله وخاصة جامع عمرو مراكز لنشر العلم،وفى حلقاتها كانت تلقى الدروس فى الفقه والتفسير الحديث واللغة والأدب وسائر العلوم المختلفة،غير أن مسجدى عمرو وابن طولون كانا قد اتخذا لهما فى العصر الإسلامى الأول تقاليد علمية خاصة،فكان من الأوفق إذن أن يكون المسجد الجامع الجديد هو المركز الجديد لنشر المذهب الجديد،وقد سُميت مدينة القاهرة بمدينة الألف مئذنة نظراً لكثرة الجوامع المبنية فيها،كما سُميت بقاهرة المعز ومصر المحروسة،وفى القاهرة تتباين فنون العمارة بصورة تعكس الفترة التاريخية التى شيِّدَت بها.

 ​


Create Account



Log In Your Account