د.همام القوصى يكتب : "الوطن العربي.. من الفجوة الرقميَّة إلى الانقطاع عن الواقع الرقمي"

كتب : بقلم / د.همام القوصى
2018-07-18 13:07
عندما بدأت أفكار "الذكاء الاصطناعي" “Artificial Intelligence (AI) - Intelligence Artificielle (IA)” بالظهور في أفلام الرسوم المُتحرِّكة في ثمانينيَّات القرن الماضي، لم يكنْ هذا الأمر على مستوى الخيال العلمي في ذلك الوقت أبداً، بل كان بغرض تجهيز الجيل الحالي والذي يليه إلى التأسيس للعالم الافتراضي المتكامل الماثل أمامنا اليوم.
فالذكاء الاصطناعي القادر على تحريك الآلة بأسلوبٍ يُحاكي الذكاء البشري وبما يجعل منها روبوتاً بالمعنى المصطلحي، قد ظهر كفرعٍ أكاديميٍّ عام 1956، أي أنَّ هذا العلم الاستراتيجي -فائق الحساسيَّة على الأمن البشري- قد وُلِدَ منذ أكثر من 60 عام؛ فلا يُعتبر دخوله في تفاصيل حياتنا إلى درجة استبدال البشر مفاجأةً علميَّةً بالمطلق.
ولكن ما يُمكن اعتباره مفاجآةً حقيقيةً للعلماء كان تغلغل الذكاء الاصطناعي في الهويَّة الاجتماعيَّة لهذا الجيل، وتقبُّل –إن لم نقلْ سكوت- الطاقات البشريَّة سريعاً عن استبدالها بالآليَّة، وهذا ما قد جعل العلماء يُسطِّرون أمجاد الهندسة الروبوتيَّة على حساب المكانة البشريَّة بحدِّ ذاتها.
وإن كان الوطن العربي بعيداً بعض الشيء عن هذا النقاش -ليس بفعلِ بُعدِ المصير الافتراضي عنه بل بفعل التجاهل والمماطلة للدخول العملي في علم الذكاء الاصطناعي-، فإنَّنا كعربٍ سنواجه واقعاً صعباً إن لم تدخل دراسة الذكاء الاصطناعي في مناهجنا التعليميَّة والأكاديميَّة.
حيث إنَّ الوطن العربي سيبقى مستورداً للعقول والطاقات الخارجيَّة في سبيل مجرَّد التعرُّف على الهندسة الروبوتيَّة، دون الحديث عن التمكين والاستغلال والحوكمة الروبوتية التي قد بدأت تصل إلى حدِّ تنسيق العمالة البشريَّة في الدول المتطوِّرة في هذا المجال كاليابان.
وبالتالي سنبقى مُرتَهنِينَ للكفاءات الغربيَّة أو الشرقيَّة –بغضِّ النظر عن الاتجاهات- في حين ترتجُّ أوتاد خيمتنا على الرمال الساخنة، ففي يومٍ -ليس ببعيد- قد نرى هياكلنا الإداريَّة وشراييننا الاقتصاديَّة غير متواصلةٍ مع المحيط؛ فقد تبدو في بطء روتينها، وضعف حوكمتها، وشحِّ سيولتها أشبه بوثائقيَّات التاريخ.
ولذلك يبدو أن "الفجوة الرقميَّة" “Digital Divide - Fracture Numérique” التي تفصل الوطن العربي عن الدول المتقدِّمة –والتي كانت بتوسُّعٍ مطردٍ- قد أصبحت في مواجهة مصيرٍ مُظلمٍ، أخشى وصولها لمرحلة: "الانقطاع الرقمي" “Digital Outage - Panne Numérique”؛ حيث سنرزح تحت صورةٍ معيشيَّةٍ تقليديَّةٍ منقطعةِ الصلة بالواقع الخارجي، ليس فقط بمفهوم الوصول للإنترنت بل استغلاله روبوتياً في الصناعة والاقتصاد والأسواق المالية.
فإذا كانت المجهودات العربيَّة الكبيرة على صعيد التنمية قد ساهمت بشيءٍ من مقاومة توسُّع الفجوة الرقميَّة، فإنَّ تمكين الذكاء الاصطناعي -في ظلِّ رفض مفهومها وتجاهل مكانتها عربيَّاً- سيعنى انتهاء هذه المواجهة نهائيَّاً بابتلاع الفجوة لجميع مجهودات التنمية.
فالمشكلة الحقيقيَّة هي أن ثورة الروبوتات والصناعة عبر إنترنت الأشياء، لا تعني فقط وقوع المجتمعات المتقدِّمة على أساليبٍ واستراتيجيَّاتٍ حديثةٍ في التنمية الإداريَّة والاقتصاديَّة والماليَّة، بل قيام مفهومٍ جديدٍ للحياة البشريَّة سيكون المنطلق لكلِّ محاور التنمية.
أي أنَّ تمكين الذكاء الاصطناعي ينطوي على معالجةٍ فلسفيَّةٍ جديدةٍ ليس لأسلوب الحياة بل لأركانها وماهيَّتها؛ ممَّا يعني أن المنظومة الهيكليَّة التقليديَّة للنشاط الاقتصادي والمالي والقانوني الناظم له ستضمحلُّ في مجلَّدات التراث البشري.
وهذا يعني أن التمسُّك بالمنظومة التقليديَّة في ظلِّ انتشار وتمكين المنظومة الافتراضيَّة يُشبِه إصرار الإنسان على صعود الجبل مشياً على الأقدام، في حين أنَّ جيرانه وأصدقاءه يصعدونه بالحافلة، فكم سيُعاني من تأخُّره الفكري قبل العلمي أو الاقتصادي.
والحلُّ الحقيقي لهذه الوضعية لا يكمن فقط في التعليم المدرسي والأكاديمي للذكاء الاصطناعي وصورته الراهنة المتمثِّلة بالتكنولوجيا الماليَّة، بل بالانتقال في الفكر التعليمي الاقتصادي والقانوني والتكنولوجي العربي من التعرُّف إلى التسخير، ومن التقبُّل إلى الاستثمار، ومن التجريب إلى التطوير.

بقلم الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصص قانون وأنظمة البورصة)


Create Account



Log In Your Account