د. همام القوصى يكتب : الأميَّة الأكاديميَّة.. والعقول العربيَّة المهاجرة

كتب : بقلم / د.همام القوصى
2018-08-01 18:08

لستُ مِمَّن يحلو لهم الاستمتاع بالمشاهد السوداويَّة، ولا بالضغط على الجراح التي لم تندملْ بعدُ، لكنَّ جانب من الواقع الأكاديمي العربي الحالي يُعاني من الجهل في مفاصله الإداريَّة والتعليميَّة إلى الدرجة التي قد تصل في بعض الأحيان إلى انعدام أيَّة قيمةٍ علميَّةٍ للكفاءات التي تتخرَّج منه، ليس لضعف الإمكانيَّات والطاقات بل بفعل المناخ الأكاديمي الطارد للاكتشاف والإبداع.
والسبب هو: الأميَّة الأكاديميَّة!!.
هذه الأميَّة تعني الجهل بأدنى هامشٍ ممكنٍ من المعرفة بمعنى "التعليم العالي" و"البحث العلمي" الهادف أولاً إلى الارتقاء بفكر الإنسان، ومَلَكَاتِه، ومعارِفه، ثم تحضيره حتى يكون قادراً على الإبداع والاكتشاف، وتشجيعه ودعمه على الطموح وتحدِّي مآزق وتكاليف الدراسة والبحث العلمي؛ فطالب الدراسات العليا هو مشروع فقيهٍ عالِمٍ قد بذل جزءاً كبيراً من عمره في تفنيد ونقد المعارف ثم تطويرها.
صادفني مُؤخَّراً أحد الحاصلين على درجة الدكتوراه بالحقوق من جامعة عربيَّة مرموقة، وقد كان مسؤولاً عن تحكيم بحث علمي لطالب دكتوراه أشهدُ له بالاجتهاد وسِعَة الاطِّلاع، شاهدت الدكتور يتناول بالمناقشة المُتوتِّرة و"الهستيريَّة" لمشروع بحث هذا الطالب الذي أجْهَدَ نفسه في التنقيب عن القوانين والأنظمة المقارنة المُرتبطة بموضوع بحثه؛ حيث تعمَّق في أنظمةٍ قانونيَّةٍ تنتمي إلى دولٍ عربيَّةٍ بالمقارنة مع فرنسا، والولايات المتحدة، وألمانيا، واليابان، وذلك بشكلٍ ملتزمٍ ومتوازنٍ وفقاً لأصول البحث العلمي؛ الأمر الذي يُثبت بلا شكٍّ قدرة هذا الباحث، والجهد الهائل الذي قد بذله.
المفاجأة المذهلة التي صعقتني بحقٍّ هي تقييم الدكتور المذكور لهذا الطالب بأنَّه قد خاض بتفاصيلٍ لا نحتاج للتعرُّف عليها، وكان يكفي دراسة القانون المحلِّي دون المقارن، وأن البحث عميقٌ أكثر ممَّا يجب!، ليس من باب الإطالة بل عدم الحاجة!!؛ فقال: "وما علاقتنا نحن بتجربة تلك القوانين؟!!".
أي أنَّ القانون المحلِّي له صفات الكمال، وقطعيَّة الصواب، والبراءة من أيِّ زللٍ!!، ذلك إلى الدرجة التي يمتنع معه أيّ تغييرٍ أو تبديلٍ لهذا القانون أو حتى مُجرَّد الاطِّلاع على تجارب الأمم التي تسبقنا بمسافاتٍ ضوئيَّةٍ للاستفادة منها!، فكان على هذا الطالب المجتهد أن يُطفئَ شعلة العلم المسكينة التي تضيءُ منه في خيمة الجهل المظلمة التي يطلب العلم فيها..
كان على هذا الطالب أن يُقفلَ خلايا عقله الطموح، وألاَّ يُحاول –أو حتى يجرؤ- على الخروج من مستنقع التخلُّف الأكاديمي الذي غرقت فيه أجيالٌ كاملةٌ من الباحثين المتعاقبين، فلا إنجازٌ ظهرْ، ولا اسمٌ أسمع صوتَه لأحدٍ منذ عقودٍ، ثم نتساءل: لماذا هذا الواقع الأكاديمي المزري؟!.
فالنُّخب التي تعاني من الأميَّة الأكاديميَّة هي مكوُّنُ فسادٍ حقيقيٍّ داخل المنظومة التعليميَّة العليا، ليس بسعيها إلى الكسب غير المشروع، بل بوقوفها في وجه أيِّ فكرٍ علميٍّ مُزَعزِعٍ قادرٍ على تغيير العجلات العلميَّة الصدئة؛ أي أنَّ فساد هذه النُّخب يكمن في المنفعة غير المباشرة التي يُحقِّقونها من فرض سقفٍ منخفضٍ للمستوى الأكاديمي، وذلك بغرض عدم انفضاح مستواهم الضعيف إن ارتفع مستوى البحث العلمي إلى خارج حدود القوقعة العلميَّة المُظلِمة التي يتدحرجون في قصعتها جيئةً وذهاباً، سواءً في التعليم الأكاديمي أم في البحث العلمي.
كما أنَّ المؤسَّسة الأكاديميَّة التقليديَّة التي يُمسِكُ بزمام أمرها نخبٌ أُميُّون أكاديميَّاً، تراهم يتمسَّكون بشواغرها العلميَّة، دون منح الشبابِ المبدعِ أيَّةَ فرصةٍ للظهور أو لتطبيق أفكارهم الطموحة؛ والسبب أنَّهم يخشون ضوء العلم، ويَعُضُّونَ بالنواجذِ على عتمة العقول والعلوم منتهية القيمة؛ فهي ملجؤهم من الاندثار.
وإن حصل وظهرت كفاءةٌ علميَّةٌ قادرةٌ على ترك بصمة تطويرٍ حقيقيَّةٍ واكتشافاتٍ علميَّةٍ فعليَّةٍ، عاجلتها عباءة الأميَّة الأكاديميَّة بالمحو والإبعاد عبر الطعن الخبيث في الأحقيَّة، والمَلَكَات الإبداعيَّة؛ تلك الكفاءات التي تبحث عنها الدول المتقدِّمة بتأنٍّ مُضنٍ، وحتى نراهم يمنحون تلك الكفاءات جنسيَّاتهم ويُشرِّعون لهم الأبواب، ثم نجلس نحن على أطلال علمائنا حتى نرثو ضياع العقول وليس هجرتها فقط.
وفي الحقيقة، إنَّ ما يَثيرُ في نفسي الخوف على مستوى الدراسة والبحث العلمي في المؤسَّسات الأكاديميَّة العربيَّة هو أنَّ استمرار واقع الأميَّة الأكاديميَّة في عددٍ منها لا يعني فقط الانطواء العلمي أو التراجع الحضاري والثقافي العربي بفعل انتشار عدوى هذه الأميَّة فيما بينها، بل إنَّ هذا المستوى الأكاديمي المظلم سيُرافقه فساد التعليم العالي بمعناه التقليدي؛ الذي يعني محاباة بعض الطلاَّب على حساب غيرهم، واختفاء الذمَّة والأمانة العلميَّة.
سيذكُرُنا حينئذٍ علماؤنا العرب في القرون الوسطى الذين قدَّموا الأساس العلمي لمعظم ما يتشدَّق به العالم الغربي من تطورٍ علميٍّ مذهلٍ وخياليٍّ، ولكن أخشى أن يَتبرَّأ علماؤنا من الحبر والورق المُظلِم الذي تكتبه الأميَّة الأكاديميَّة!.
بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري تخصُّص قانون وأنظمة البورصة).


Create Account



Log In Your Account