د.همام القوصى يكتب : موقع الوطن العربي من الحرب التجارية "الأمريكية الصينية"

كتب : بقلم / د.همام القوصى
2018-10-02 16:10
في إحدى المواقف المُملَّة مع بداية التسعينيَّات، كانت معلِّمتي في أحد الصفوف الابتدائيَّة تحاول لفت انتباهي إلى الدرس، فيما كنتُ أنا ألهو بدميةٍ بلاستيكيةٍ ذات ألوانٍ رائعةٍ، وحركةٍ ذاتيَّةٍ مُذهلةٍ؛ حتى أن باقي الطلاَّب في الصفِّ قد تركوا الدرس وانغمسوا معي في التعرُّف إلى الحركات الغريبة الصادرة عنها.
عندها، امتصَّت مُعلِّمتنا موقف الشغب الطلابي هذا -الذي كنتُ أنا المُتسبِّب به-، ثم اقتربتْ من مقعدي الخشبي، وأمسكت بالدمية، ثم محَّصت النظر فيها حتى قالت باستغرابٍ مُصطَنعٍ: "مكتوبٌ عليها: (صنع في الصين Made in China)"!!، ثم قالت لي: "اليوم نستورد هذه السلع البسيطة الكماليَّة من الصين.. وغداً سنستورد كلَّ شيءٍ منهم"، وبعدها ابتعدت باتجاه مِنبَر الصفِّ، إلاَّ أنَّها التفتت إليَّ فجأةً، وقالت بنظرةٍ خبيثةٍ: "ولكن هل تعتقد أن أمريكا ستصمت؟، هل ستترك الصين حتى تبلع سوق التجارة العالميَّة؟!، انتظروا وشاهدوا ماذا ستفعل أمريكا بالصين!!".
في ذلك الوقت، لم يكن لدى الطلاب الوعي الكافي لإدراك المعنى البعيد لهذا الكلام واسع النظر، واكتفيتُ حينها بابتسامةٍ صفراء، وتنفَّستُ الصعداء أنَّ المعلِّمة لم تُصادِر منِّي الدمية كعقوبةٍ على عدم انتباهي للدرس، ولكن الدرس الحقيقيَّ الذي علَّمتني إيَّاه معلِّمتي فائقة الحكمة –والذي بقي عالقاً في ذهني لثلاثة عقود- هو أنَّ المنافسة التجاريَّة قد تُحوِّل أطرافها إلى أعداء تجاريِّين، حتى تندلع معركةً تجاريَّةً أسلحتها النقد والسلع، ودمارها يظهر في التضخم والديون وانحسار النمو، وضحاياها هم الناس الذين يبدأ الفقر بـ: "لسع" جيوبهم، وطعامهم، ومستقبلهم.
وفي الواقع، انفتحت الصناعة الصينيَّة على سوق التجارة العالميَّة بشكل هائلٍ تصاعديٍّ مبالغٍ فيه منذ أربعة عقود، حيث لم يعدْ لدى المرء حتى الخيار، ففي البداية كانت المنافسة بين البضاعة الصينيَّة وغيرها تنحصر في السعر والجودة، ثم بدأت هوَّة السعر تتفاقم وفرق الجودة يتضاءل، إلى الدرجة التي لم يعدْ هناك أيَّة منافسةٍ حقيقةٍ بين ما قد صُنِعَ في الصين وما سواه.
فهل ما قامت به الصين هو ثورةٌ صناعيةٌ فائقة النجاح؟، أم أنَّها عبارةٌ عن أسلوب الإغراق والسيطرة على الأسواق الذي يقترب من واقع الاحتكار؟.
ثم لماذا تنزعج الولايات المتحدة من نجاح الصين التجاري ومن نموِّها المذهل؟ ذلك إلى درجة إعلان "حرب تجاريَّة" “Trade War” طاحنة بين الاقتصادَيْن الهائلَيْن.. وذلك أيضاً في وقتٍ لا تُحسَد عليه الولايات المتحدة بعد ازدياد العجز التجاري لديها بالغاً 500 مليار دولار مع بداية عام 2018 وفق وزارة التجارة الأمريكيَّة.
هل هي "الغيرة" الأمريكيَّة؟، أم الخوف من انتهاء "عصر الهيمنة" لأكبر اقتصاد في العالم؟.
تَتَّهم الولايات المتحدة الصين بأن الصانعين الصينيِّين يُقلِّدون الابتكارات الأمريكيَّة مُتجاوزين قوانين "الملكية الفكرية" “Intellectual Property”، فيما تدَّعي "ثقافة التقليد" “Culture of Imitation” الصينيَّة بأنها تقوم بتكريم صاحب الابتكار الأصلي عندما تَعتَبره مثلاً أعلى!، ووصل الأمر بالتقليد الصيني إلى حدود بناء مدن كاملة مُقلَّدة وكأنَّها نسخة طبق الأصل عن مدن أوروبية قديمة!!.
والواقع الذي حصل بعد اتباع الصين نهج الانفتاح الاقتصادي عام 1978، أنَّ الصانع الصيني قد أغرق الأسواق العالميَّة بمنتجات مقلَّدة بحرفيَّة عالية، وبأسعارٍ بخسةٍ؛ ممَّا أعدم المنافسة، وحول نظر المستوردين حول العالم نحو الشرق: "الصين"، الأمر الذي قد جعل النقد الأجنبي يتدفَّق نحو الصين بالتريليونات، ورفع مستوى احتياطي النقد الأجنبي الصيني إلى المستوى الأول في العالم.
وبغضِّ النظر عن هذا الاتِّهام الأمريكي، لنتساءل مثلاً: لماذا لم نعدْ نرى البضاعة اليابانيَّة الأصليَّة التي كُنَّا نستوردها في الثمانينيَّات؟، لماذا كان المنتَج الياباني ذو معايير جودةٍ فائقةٍ إلى الدرجة التي بقى فيها هذا المُنتَج قيد الخدمة المضنية لثلاثين أو أربعين عاماً، وما يزال؟، ولماذا نرى اليوم المنتجات الصينيَّة ذات عمرٍ قصيرٍ في معظمها؟، ذلك إلى الدرجة التي نبدأ بادِّخار ثمن الجهاز التالي بعد أن نكون قد اشترينا جهازاً جديداً للتو؟.
الجواب المنطقي البسيط هو: انخفاض جودة الصناعة، وعدم تطوير الابتكار الأساسي.
وبغض النظر عن هذه الوضعيَّة الاقتصاديَّة العالميَّة المُقلقة، فما هو تأثير الحرب التجاريَّة الراهنة على اقتصاد الوطن العربي؟.
الحقيقة هي أنَّنا نرزح تحت ضغط انفصال الاقتصاديَّات العربيَّة المتكاملة بمجموعها، والقاصرة بانفرادها؛ أي أنَّ اقتصاد الوطن العربي ككيانٍ مُتَّحد هو اقتصادٌ متكاملٌ قادرٌ على المنافسة بخاماته الأوليَّة، وطاقاته الإنتاجيَّة القابلة للتطوير، وإمكانيَّاته الهائلة فيما يخصُّ الثروات الطبيعيَّة، ورأس المال البشري الشاب.
ولكن واقع انفصال الاقتصاديَّات العربيَّة عن بعضها البعض ليس فقط في إطار الوحدة الاقتصاديَّة الكاملة، بل حتى في إطار التكامل الإقليمي، يؤدِّي إلى عجز اقتصاد الوطن العربي عن الخروج من دائرة الاقتصاد الاستهلاكي غير المُنتِج؛ لأنَّ الدولة العربيَّة التي تُنتِج سلعة تنافسيَّة تحتاج إلى رأس المال الموجود لدى دولة شقيقة أخرى لا تملك تقنيَّة إنتاج تلك السلعة، وهكذا تظهر الأمثلة الشجيَّة التي لا نهاية لها.
والواقع أن الدول العربيَّة لم تحاولْ الاستفادة من تجربة الدول الأوروبيَّة في الاتحاد الأوروبي EU التي لا تربطها سوى روابط الجوار، ومع ذلك فهي تتكتَّل وتتَّحد حتى تكون أقوى اقتصاديَّاً وصناعيَّاً، وقد تجاوزت عن اختلاف قوميَّاتها عندما وحَّدت عُملاتِها في عملةٍ واحدةٍ هي "اليورو Euro "، ممَّا جعلها تقف على أرضٍ صلبةٍ أمام الولايات المتحدة ومنافسيها.
وبالتالي، فإنَّ "الحرب التجاريَّة العالمية" “World Trade War” ستؤدِّي إلى ارتفاع أسعار المُنتَجات المستورَدة؛ لأن كلاًّ من الصين والولايات المتحدة سيفرض على الآخر "رسوماً جمركيَّةً"“Customs Fees” متزايدةً، ممَّا سيجعل الصانعين يرفعون سعر السلع بغرض تعويض هامش الرسوم المفروض عليهم من جيوب المستهلكين.
وعليه، فإنَّ الخاسر الأكبر لسيولته النقديَّة، ولقيمة عملته، ولاحتياطه النقدي هو الاقتصاد الأكثر استيراداً من طرَفَيْ الحرب التجاريَّة: الولايات المتحدة والصين، والوطن العربي ليس ببعيدٍ عن هذا المصير للأسف.. فهل يجب أن نستعدَّ لهذه الحرب التجاريَّة برفع الأسعار؟، أم بفرض ضريبةٍ على القيمة المُضافة؟؛ ذلك حتى تدفع الشعوب العربيَّة أثمان الحروب التجاريَّة العالميَّة!.
أم أنَّ الحل الواضح الأسلم هو أن نخرج من وغى حرب النفوذ التجاري هذه إلى آفاق الاستهلاك من أسواقٍ أخرى لم تتلظَّى بعدُ بنيران هذه الحرب؟!، ذلك ريثما تمرُّ العقود –أو ربَّما القرون- اللاَّزمة حتى تجعلنا نأكل ممَّا نزرع ونلبس ممَّا نصنع!!.
الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصُّص قانون وأنظمة بورصة الأوراق الماليَّة)


Create Account



Log In Your Account