د.همام القوصى يكتب :"المحاماة.. بين المبادئ الأخلاقية والواقع المزري"

كتب : بقلم /د.همام القوصى
2018-11-16 00:11
لقد قابلتُ العديد من الناس الذين شَكَوا لي منازعَاتهم وسألوني المشورة، وكان الكثير منهم في الحقيقة بحاجةٍ إلى شخصٍ يُساعدهم في إجراءات إقامة الدَّعوى والسير فيها حتى تحصيل حقوقهم أو الدفاع عنهم، ولكن في كلِّ مرَّةٍ كنت أقول لهم فيها: "عليكم بتوكيل محامٍ"، يرتسم الوجوم على وجوهِهم وتتكدَّر نظرتهم!، ثم يتساءلون بصوتٍ منخفضٍ: "هل يمكن أن نقوم بالمسألة دون محامٍ"!!.
إن الواقع الأكيد الذي لا شكَّ فيه ولا مراء، أنَّ صورة المحامي لدى جمهور الناس قد اهتزَّت؛ قد يكون ذلك بفعل التجاوزات الجسيمة والمُتكرِّرة لبعض المحامين التي وصلت إلى اقتراف جرائم التزوير والاحتيال.
ذلك إلى الدرجة التي بات فيها الشخص العادي -الذي لا يفقه من القانون شيئاً- يُفضِّلُ التخبُّط بين جدران المحاكم وأروقة الموظَّفين بروتينها الذي لا ينتهي كمتاهةٍ مرسومةٍ بإحكامٍ!، على أن يوكِّل محاميَّاً قد يضيع حقوقه بإهمالٍ أو خداعٍ؛ ممَّا يدفع للقول بأن سمعة مهنة المحاماة قد اهتزَّت بين الناس.
فإن عدنا قليلاً إلى المبادئ الأخلاقيَّة النظريَّة "المثاليَّة"، سنرى أنَّ المحامي يحمل رسالة العدالة، ويرفع مع القاضي كفَّتي الميزان حتى تتوازنا، ولكن يا له من وزنٍ ثقيلٍ يرزح على ضميرهما وذمتيهما!، فالواقع قد ابتعد بنسبةٍ كبيرةٍ عن هذا التنظير، حتى أضحت هذه المبادئ مجرَّد خيالٍ سرابيٍّ.
فالواقع أن مُجرَّد الحديث الأوَّل إلى المحامي يحمل معه الكثير من الشجون والمخاوف لدى الناس، حيث يجدون أنفسهم قد سلَّموا زمام مصيرهم له، في مقابل أتعابٍ قد تكون خياليَّةً لا يملكون حيالها سوى الموافقة دون أيِّ مجالٍ للتفاوض.
ثم تأتي مرحلة التوكيل، ذلك الصكُّ الذي سيُمثُّلُ المحامي موكِّله استناداً عليه، فالمحامي هو مَن يقوم على تنظيمه واختيار ألفاظه بعنايةٍ مانحاً نفسه الصلاحيَّات الكفيلة بتمثيل موكِّله ، ولا يكون للشخص الموكِّل سوى التوقيع عليه، وحتى أنَّ دورَ مُوثِّق سجِّلات الوكالات في قراءة نصِّ الوكالة وتنبيه الموكِّل لبنودها قد أضحى سريعاً غير ذي جدوى بفعل ازدحام المراجعين وضيق وقت الدوام الرسمي.
وفي هذه النقطة بالذات يتمُّ إبرام الوكالة بين المحامي والموكِّل، لتصير حقوق هذا الموكِّل مرهونةً إلى درجةٍ كبيرةٍ بضمير المحامي، ونرى أنَّ عدداً كبيراً من المحامين لا يُقدِّرون تلك الثقة، ويعتقدون أن المحاماة هي عبارة عن بدلة أنيقة ومظهرٍ اجتماعيٍّ راقٍ!!.
وقد تُوضِّح إحدى الدعاوي الشائكة مدى اختلاف صورة المحامين باختلاف شخصيَّة كلٍّ منهم، فقد يقوم أحد المحامين باستخراج وثائق بطريقة غير مشروعة قريبة من مفهوم التزوير، فيتمُّ ملاحقة هذا المحامي بجرم التزوير والاحتيال، فيما قد نجد محاميَّاً آخر يتوسَّط لحلِّ هذه المنازعة بغرض لملمة جراح الطرفين دون أن يكون له مصلحةً تُذكَر في ذلك.
وبالتالي فإن الواقع المزري للمحاماة لا يمثله سوى فئة المحامين غير المستوعبين لمفهوم مهنة المحاماة.
فالمحاماة ليست اغترافَ حقوق الغير وتسليمها للموكل ظالماً أم مظلوماً بغرض تحصيل أعلى أتعابٍ ممكنةٍ، بل هي تمثيل المُوكِّل بما يتناسب مع أصول التقاضي ومبادئ الشرف والعدالة؛ فإن كان المُوكِّل على حقٍّ فمن واجب المحامي تحصيل حقوقه؛ كإعلان براءته من جرمٍ نُسب إليه ولم يكن قد اقترفه، وإن كان على باطٍل فهنا تتلخَّص مهمَّة المحامي في توفير أعلى نسبة حقوقٍ وحمايةٍ ممنوحةٍ من القانون لمثل حال هذا الموكِّل؛ كتخفيف العقوبة أو وقف تنفيذها.
ويبدو لي أن الحلَّ الغائب لتطوير مهنة المحاماة وضمان نزاهة المحامين والرقابة على ضميرهم، يكمن –إلى جانب المحاسبة القضائيَّة الحقيقيَّة- في تفعيل وتعميق دور نقابة المحامين بالتحقيق مع أعضائها من المحامين، ثم شطبهم من جداول ممارسة المهنة بشكلٍ مؤقتٍ أو دائمٍ وبأسلوبٍ فوريٍّ، لا أن تسود في النقابة أجواء المجاملات والمصالح على حساب حقوق الناس المغلوب على أمرهم!..
الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصُّص قانون وأنظمة بورصة الأوراق الماليَّة)


Create Account



Log In Your Account