د. همام القوصى يكتب.. الفلسفة الضريبية

استمع للمقال

الجينات الضريبية العربية منذ أيام الماضي العربي، كان اقتصاد الدول العربية ذو هويةٍ تجاريةٍ بحتةٍ؛ فقد كان المجتمع العربي يَزْخَرُ بفئة التجَّار من ذوي الأموال والنفوذ. لهذا، كانت التجارة مزدهرةً جداً، وكان للتاجر العربي سمعةً طيبةً من حيث أَمَانَتِهِ ونَجَاحِهِ وقُدرَتِهِ على تحمُّل الخسائر، ثم النهوض بمشرُوعِهِ بشكلٍ أفضل من السابق.

 

فيما كانت الفلسفة العربية الإسلامية القديمة ترى في الأعباء المالية الرسمية استثناءً عن الأصل، حيث كان مال الشخص من حقِّه هُوَ وَحدِهِ، لا يجوز التعدِّي عليه إلاَّ في حدود ما هو مفروضٌ عليه من زكاةٍ.

 

وبكلمةٍ مُختَصَرَةٍ، فإنَّ الفكر العربي الإسلامي يَمِيلُ إلى جانب احترام الاستثمار الخاص، فيما كان على الدولة حفظ الأمن، ذلك في مقابل واجب الزكاة الذي كان أهم وعاء له هو أموال التجَّار والمستهلكين الأثرياء فقط. فإذا أردنا تحديد الجينات الضريبية العربية في التاريخ الإسلامي، نستطيع القول بأنَّه لم يكنْ في الدول العربية -قبل التاريخ الحديث- ضريبةٌ بمعناها الذي نراه اليوم، بل سَنَجِدُ واجباتٍ ماليةٍ شرعيةٍ. وهكذا كانت الفلسفة الضريبية العربية تَمنَحُ التاجر هامشاً واسعاً من التحرُّك، وتَعتَرِفُ بحقِّ التاجر في النمو وتَسمَحُ له بهامشٍ واسعٍ من التحرُّك دون مضايقةٍ أو ملاحقةٍ، وفي ذات الوقت يَتَعَامَلُ مع الناس معاملةً رحيمةً تَنْظُرُ إلى أموالِهمِ من منظور الزكاة أكثر من الضريبة بالمفهوم الغربي الحديث. وما قد سَاعَدَ الدولة -في ذلك الوقت- على تخفيف العبء الضريبي بشكلٍ عامٍّ، هو وجودِ تكاملٍ في الاقتصاد العربي بالنظر إلى وحدة اليابسة العربية، ومعها وحدة شرايين الاقتصاد. لكن مع حلول الظلام على الحضارة العربية ابتداءً من الغزو المغولي لبغداد، ثم سقوط غرناطة آخر حاضرة في الأندلس، فقد دخل الوطن العربي في دوامةٍ من الصراعات والنزاعات وضياع الاستقرار لمدة قرونٍ من الزمن، حتى جاء الاحتلالٍ الغربي المباشرٍ. وهكذا، بدأت تَظهَرُ أفكارٌ استغلاليةٌ للاقتصاديات العربية، منها محاولة إخضاع السوق العربي لسلطة المُستَعمِرِ، أي تحويل السيولة المُتَوَافِرَةِ في المجتمع كافَّةً إلى طلبٍ إجباريٍّ على السلع الأجنبية، ومصادرة كافَّة الخيرات العربية منها على شكل موادٍ خامٍّ قبل تصنيعها وتحوُّلها إلى سلعةٍ. بهذه الطريقة، فقد تَرَاجَعَ الوطن العربي اقتصادياً واختفى من على خريطة التجارة العالمية، وما قد زاد الطين بِلَّةً، تقسيم الشعب العربي إلى أسواقٍ، ودفعه للتمسُّك بمصلحة كلِّ سوقٍ بمفردها؛ وهذا ما أدَّى إلى انفراط عقد الاقتصاد العربي المُتَكَامِلِ، وجَعْلِهِ يَدُورُ في دوائرٍ من الأزمات والفشل. وما زالت الدول العربية إلى اليوم تائِهَةً في هذه الدوائر، والسبب الأساسي هو ضَعفُ الهيكلية الاقتصادية، بالنظر إلى وجود نقصٍ جوهريٍّ في كلِّ اقتصادٍ عربيٍّ دون استثناء. حيث نَجِدُ نَقصَاً مزمناً في موارد الدول العربية، ولهذا نرى جميع هذه الدول من المشرق إلى المغرب ذات ميزانٍ اقتصاديٍّ خاسرٍ في معظم السنوات. أمَّا الاستثناء المُتَمَثِّلِ ببعض دول الخليج العربي، فإنَّ ربحية الميزان لدى بعضها ليست حقيقيةً؛ لأنَّها تَعتَمِدُ على فائضٍ موارد النفط غير المُسَتدِيمَةِ التي لا تمثل نمواً اقتصادياً حقيقياً من جهةٍ، ولأنَّها تُعَانِي من اختلالٍ حادٍّ في الميزان الديمغرافي؛ يَجعَلُ مَشَارِيعِهَا الاستثمارية رهناً بالكفاءات الوافدة من جهةٍ أخرى. وهكذا، نَجِدُ أنَّ الاقتصاديات العربية -في الوضع الحالي- ما هي إلاَّ صورة منقوصة، تُعَانِي بشكلٍ دائمٍ من وجود خللٍ تشغيليٍّ وخسائرٍ في الميزانية. وبالرجوع إلى الفلسفة الضريبية العربية الحديثة اعتباراً من بداية القرن العشرين، نجد أنَّها قد اعتَمَدت مع بدايات استقلال الدول العربية على تكليف التجَّار بمُعظَمِ العبء الضريبيِّ الذي يَستَنِدُ على ضرائب وضعية حديثة، بعيداً عن مفهوم الزكاة. وهكذا، باتت الأسواق العربية طاردةً للاستثمار، لأنَّ التجار أصبحوا يخافون على أموالهم من العبء الضريبي الجائر. أما بخصوص المستهلكين، فقد تحمَّلت الدول العربية منذ فجر الاستقلال –أي مع بداية الأربعينيات 1940- أعباءً ماليةً هائلةً من جرَّاء الدعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية، وكثيراً من هذا الدعم يذهب هباءً، إمَّا لحصول شرائح لا تستحقُّ الدعم أو بسبب المتاجرة غير المشروعة بالبضائع المدعومة. والسبب الأساسي في تجذُّر ثقافة الدعم الحكومي لدى الدول العربية منذ زمن الاستقلال، هو صعوبة الوضع الاجتماعي للناس بالنظر إلى ضعف الدخل واستمرار الغلاء؛ وقد ساهم في هذه الوضعية تضاؤل قيمة العملات العربية بالمقارنة مع العملات العالمية الأساسية. وهكذا انهارت ثقة التجَّار في معظم العملات الوطنية العربية، واعتمد أغلبية التجَّار على العملات الأجنبية لتسعير سلَعِهِم وخدماتِهِم خاصَّة الدولار الأمريكي، رغم أنَّ ذلك قد يُشكِّل جُرْمَ التعامل بالنقد الأجنبي؛ وبالتالي أصبح القانون يَفْرِضُ مَنْطِقَاً قانونياً قد يكون غير واقعيٍّ في بيئة التجارة. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، انتشرت ثقافة الجذب الاستثماري لدى معظم الدول العربية، وأصبحت مشاريع الأعمال تَحظَى برعايةٍ حكوميةٍ، ومعاملةٍ ضريبيةٍ مُتَساَهِلَةٍ؛ تقليداً للمنهج الأمريكي الغربي الذي خَرَجَ مُنتَصِرَاً من الحرب الباردة، وأصبحت العديد من الدول تُسَارِعُ إلى “أمركة” اقتصادها. لكن بالنظر إلى معاناة معظم الدول العربية من الفقر والبطالة في التسعينات والألفية الجديدة، فقد استمرَّت معظم الدول العربية بتَجْنِيبِ مواطِنِيهَا الزيادة في الضرائب؛ فيما حاولت هذه الدول مجاراة ركب الاستثمار الأجنبي على أمل أن تَزدَادَ الاستثمارات وتَرتَفِعَ وتِيرَةُ الموارد والاحتياطي من النقد الأجنبي.

 

ومع الوقت، وبعد دخول عشرية 2008-2018 التي حملت معها أزمةً ماليةً عالميةً خانقةً، فإنَّ معظم الدول العربية لم تعدْ قادرة على تحمُّل عبء الدعم الحكومي وانتقلت نحو منهج الخصخصة والضرائب الاستثمارية؛ حتى تُغطِّي جزءاً من خسائرها، وهكذا، أصبح القطاع الخاص يَسْرَحُ ويَمْرَحُ في منشآت ومصانع القطاع العام، حيث قامت بعض المشاريع الخاصة بفرض ممارساتٍ سوقيةٍ غير عادلةٍ لرفع الأسعار بالنظر إلى العبء الضريبي، ذلك مع ارتفاع قيمة دخل الناس لكن بما لا يتناسب مع غلاء المعيشة. وبعد سلسلة الفشل المُتَتَابِعِ هذه، ومع انتقال الجينات الضريبية العربية من صورةٍ إلى أخرى على مبدأ ترقيع الثوب الضريبي، فلم يَعُدْ أمام الدول العربية سوى جيوب المستهلكين. وهكذا ظهرت “موضةٌ” عربيةٌ جديدةٌ اسمها الضريبة على القيمة المضافة؛ وهي عبارةٌ عن ضريبةٍ مُتَرَاكِمَةٍ تزداد مع تَتَالِي مراحل توريد السلع والخدمات، بحيث يَدفَعُ قيمتها في النهاية آخر مشترٍ للسلعة أو الخدمة، وهو المستهلك. كلُّ ذلك بغضِّ النظر عن مستوى المستهلك الاجتماعي ومدى قدرته الشرائية من جهةٍ، وبغضِّ النظر عن قوة المشروع التجاري الذي ارتاحَ من عبء الضريبة ورمى به على رؤوس المستهلكين من جهةٍ أخرى. وما يَزِيدُ من قتامة الصورة العربية، هي أنَّ فلسفة نقل العبء الضريبي إلى المستهلكين، لم تَجِدِ نَفعَاً في جذب الاستثمار الخاص الوطني أو الأجنبي، حيث نَرى معظم الدول العربية ما زالت تُعَانِي من البطالة ونقصٍ في مُعدَّلات خلق الوظائف الجديدة، وهي مؤشِّراتٌ خطيرةٌ واضحةٌ على ضعف الاستثمار الخاص في مواجهة الطلب على العمل. ثم نَجِدُ الدول العربية ذاتها التي فرضتْ مجموعةً من الضرائب الاستهلاكية، تكافح البطالة وتقوم بتوظيف الشباب دون خبرةٍ أو في وظائفٍ وهميةٍ، فقط من أجل وَقْفِ دوامة الفقر، رغم أنَّ هذه الوظائف تَستَنزِفُ موارد الدولة ذاتها المُتَحَصَّلَةِ من الضرائب الاستهلاكية. وهكذا نعود إلى نقطة البداية.. الدعم الحكومي؛ حيث إنَّ الوظائف الحكومية الجديدة تُكرِّس مفهوم البطالة المقنَّعة بقناع العمل الذي لا تَحتَاجُهُ الدولة أصلاً. بناءً عليه، تبدو معظم السياسات الضريبية العربية في حالة عجزٍ عن تحديد المنهج والمُنْطَلَق، ولهذا يَظْهَرُ الفشل في تنفيذ السياسات الضريبية واضحاً، والسبب في هذا الفشل ليس سوء التخطيط فقط، بل أيضاً التخبُّط في وضع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى. هذا يعني أنَّ مشكلة الفلسفة الضريبية العربية هي أنَّها وليدة الحاجة، وليست نَهجَاً مُتَرَسِّخَاً في ثقافة التسيير الاقتصادي العربي. لكن بالنظر إلى ما تبقَّى مِن موارد في الدول العربية، ومَنْ بَقِيَ فيها من كفاءاتٍ شابَّةٍ، فإنَّ الأمل ما يَزَالُ مُنعَقِدَاً عليها لإصلاح الواقع الاقتصادي، وتَدَارُكِ ما فات من سنوات الضياع الطويلة

ويمكن في هذا الإطار طرح الخطوات التالية:

• إعادة دور القطاع العام كمنافسٍ للقطاع الخاص؛ وهنا نَقصِدُ إعادة “الهيبة” لهذا القطاع، أي قُدرَتِهِ على موازنة الأسعار في أية لحظةٍ تَرتَفِعُ فيها الأسعار من غير مُبرِّرٍ أو يُصبِحُ دخل الناس أقلَّ بكثيرٍ من تكلفة المعيشة.

• اعتماد منهج الاستثمار الحكومي في منشآت ومصانع القطاع العام بنفس فكر القطاع الخاص الذي يَكرَهُ الخسارة؛ أي أنَّ القطاع العام بحاجةٍ إلى التفكير بالربح وعدم التعامل مع الناس على أساسٍ اجتماعيٍّ بل استثماريٍّ مُنْصِفٍ، وعندما تَختَلُّ ظروف السوق، يكون القطاع العام جاهِزَاً للتدخُّل وإعادة التوازن.

• توفير مناخٍ شفَّافٍ وآمنٍ للاستثمار في القطاع الخاص، مع ضرائبٍ مُحدَّدةٍ على شرائح الدخل التجاري الناتج من الأرباح السنوية الصافية.

• تحديد المُحفِّزات الضريبية للاستثمار الخاص بشكلٍ تشريعيٍّ مُفصِّل حتى لا تَصِلُ يد الفساد إلى الإعفاءات الضريبية على شكل محفِّزاتٍ.

• عدم اعتماد ضريبة القيمة المضافة بشكلٍ أعمَى، بل يجب تحديد شرائح المستهلكين التي تَستَهْدِفُهَا تجاه أعلى الطبقات الاجتماعية دخلاً وفق متوسِّط الاستهلاك، وهذا ما يُوجِبُ ترسيخ ثقافة الدفع الإلكتروني، والفواتير الاستهلاكية.