Banner Sticky Left (ahlybank)
Banner Sticky Right (ahlybank) COPCOP

د. أميرة عبد العظيم تكتب: قمة المناخ (cop27) التعاون أو الهلاك؟

أستاذ القانون الدولى العام المساعد بجامعة الأزهر

alx adv
استمع للمقال

لم تستطع الدول أن تصمد كثيرا  أمام  المشاهد غير المعتادة بالمطلق والتي باتت تظهر في أكثر من دولة نتيجة التغيرات المناخية، فقد سجلت الكويت في  إحدى مناطقها، – وهي النويصيب- درجة حرارة قُدرت بـ 53,1 درجة مئوية، وهي من الأعلى في العالم، كما  شهدت الجزائر واليونان العديد من حرائق الغابات التي أودت بحياة العديد من الأشخاص، وفي ألمانيا وبلجيكا حيث الفيضانات غير المسبوقة والتي خلفت دمارا شديدا نتيجة هطول الأمطار والذي استمر لعدة أيام وهو المشهد الذي لم يبعد كثيرا في الصين والهند حيث تضررت مناطق كثيرة جراء الفيضانات والتي فاقت قدرة السدود والمصارف على استيعابها.

 

وفي مشهد آخر نجد درجات الحرارة غير المسبوقة كما حدث في عدد من المقاطعات الكندية والتي سجلت درجات حرارة بلغت ما يقرب من 50 درجة مئوية وهى الأعلى على الإطلاق على مستوى البلاد، وفى الولايات الأمريكية تسببت المستويات القياسية من الحرارة فى وجود “قبة حرارية” نادرة القوة حيث حبس الهواء الساخن لعدة أيام مما تسبب فى وفاة المئات من الأشخاص، وبعدما تنتهى موجة الحرارة فإن الظروف الجافة التي تخلفها تزيد من خطر اندلاع حرائق الغابات في تلك المنطقة، ووفقا للدراسات الحديثة فإن هذا الطقس السئ لم يكن في الإمكان حدوثه لولا ظاهرة التغير المناخي الناجمة عن الأنشطة البشرية وارتكازها على الثورة الصناعية.

 

كما أن غطاء الأرض من الأشجار يشهد انكماشا متزايدا فقد حدث الانكماش في الولايات المتحدة وحدها بمعدل 36 مليون شجرة سنويا وباستمرار هذا المعدل، يتوقع الخبراء مزيدا من الارتفاع لدرجات الحرارة ومعدلات تلوث الهواء، وهذا الانكماش قد يكون بسبب الأعاصير والحرائق والحشرات والأمراض، وكلها عوامل طبيعية لا يمكن للبشر التحكم فيها، بيد أن هناك عوامل أخرى تتعلق بأنشطة بشرية نتيجة استبدال المساحات الخضراء بمبان أو نتيجة لتوسعة الطرق وعدم وضع عقوبات صارمة على كل من يتسبب في تجريف الأراضي الزراعية.

 

وتمتد دواعي القلق لتشمل مخاطر ارتفاع منسوب البحر وخسارات في التنوع الحيوي البري والبحري ومخاطر مرتبطة بالجفاف وحرائق الغابات وتغيّر دورة المياه وإنتاج الغذاء المعرّض للخطر والمخاطر الصحية في الأماكن الحضرية والريفية جرّاء الحرارة الشديدة وتبدّل ناقلات الأمراض والفيروسات.

 

وإزاء هذا الخطر الداهم الذي أصبح يتربص بالإنسانية ويتوعدها بالمزيد من الكوارث الطبيعية، والتي لا تستطيع أي دولة مهما بلغت قوتها أن تقف أمامها، وتصدها بمفردها. جاء اجتماع قادة العالم وبمشاركة العديد من الحكومات والمنظمات المعنية في مؤتمر الدول الأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخى فى مدينة شرم الشيخ بمصر،  وذلك بغرض تحديث خطط العمل التي تهدف إلى جعل العالم أكثر أمانًا. وأكثر استجابة بشكل أفضل في ظل واقع يشهد تغيرات سريعة، لذلك، تشتد الحاجة إلى اتخاذ إجراءات سياسية اقتصادية للحد من الاحتباس الحراري والحيلولة دون حدوث عواقب إنسانية وخيمة.

 

ويدور تعاون الدول في مؤتمر قمة المناخ حول مراقبة وتقييد التغير المناخي، والعمل على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة والحفاظ على الزيادة فى متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل من (2) درجة مئوية، وتقليل كمية غازات الدفيئة المنبعثة من الأنشطة الإنسانية، ومراجعة إسهام كل دولة في تقليل انبعاث هذه الغازات كل خمس سنوات، مما يسمح بقياس حجم مواجهة تحدي التغير المناخي، فضلا عن إلزام الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة وتزويدها بالتمويل والمساعدة في التأقلم والتكيف مع التغير المناخي والانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة.

 

وكذلك يجب التوقف عن دعم الوقود الأحفوري، والتوجه إلى القطاعات والمشاريع المستدامة التي تساعد البيئة والمناخ على خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، فضلا عن تحييد الكربون في الغلاف الجوي، ويلزم على الدول البحث عن مصادر الطاقة البديلة والتي تتمثل في استخدام مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء وهو البديل الأمثل للطاقة، والأكثر كفاءة والأقل كلفة في إنتاج الكهرباء، وذلك بإزاحة الوقود السائل والتعويض عنه بالغاز الطبيعي.

 

كما يجب التحول من الاقتصاد الرمادي إلى الاقتصاد الأخضر، ومن أهم  السياسات البسيطة التي يمكن أن تتخذها حكومات الدول هو التوجه إلى زراعة الأشجار ذات المواصفات التي تخدم البيئة وهو ما يعرف بممارسات الزراعة المراعية للمناخ وتتسم بقدرتها على الصمود في مواجهة آثار تغير المناخ مثل الجفاف، وفي الوقت نفسه تصبح بمثابة خزانات لامتصاص الكربون تساعد على الحد من الانبعاثات.

 

ولا تقتصر أهمية زراعة  الأشجار على الدور الذي تلعبه في خفض درجات الحرارة وخفض معدلات التلوث من خلال امتصاصها للكربون، ولكن تساهم أيضا في خفض استهلاك الطاقة، فالأشجار توفر الظل علي المنازل بما يخفض من سخونتها ويقلل الحاجة إلى خفض درجات الحرارة بداخلها وتعمل الأشجار كذلك كمرشح للمياه حيث تمتص المياه غير النظيفة، كما تلعب دورا أساسيا في الحد من مستوى الفيضانات من خلال امتصاصها للمياه.

 

ولا يغفل المعنيون بالتغيرات المناخية أن العمل المناخي يتطلب استثمارات مالية ضخمة، كما هو الحال لو اتجاهنا إلى استخدام أنظمة الطاقة المتجددة وتمهيد البنية التحتية التي يمكن أن تصمد أمام تأثيرات تغير المناخ. ولكن بلا شك التقاعس عن العمل المناخي هو أكثر تكلفةً بكثير.

 

ولذا تحتاج جميع الدول إلى تقليل انبعاثاتها والتكيف مع تغير المناخ، ولكن العديد من الدول النامية تفتقر إلى الموارد والتكنولوجيا للقيام بذلك، لهذا السبب اتفقت جميع الدول على أن الدول الصناعية التي تمتلك المال والخبرة التكنولوجية يجب أن تكثف وتزيد من دعمها المالي للعمل المناخي في الدول النامية، ولا سيما الأكثر فقرا وضعفاً. فالتعاون الدولي أصبح لا مفر منه للتصدي لتغير المناخ.

بقلم د/ أميرة عبد العظيم أستاذ القانون الدولى العام المساعد بجامعة الأزهر 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا