النفاق الاقتصادي الخيري.. وأزمات ما بعد 2022

بقلم / دكتور همام القوصى

alx adv
استمع للمقال

أحياناً تبدو بعض الصور الاجتماعية وكأنَّها حقيقيةٌ جذابةٌ غايةٌ في الروعة والأخلاق الرفيعة والفضيلة والنُّبل، لكن الوجه الحقيقيِّ المخفيِّ تحت الأقنعة الاجتماعية، وخلف أبواب الاجتماعات، يكون هذا الوجه غايةً في القبح والاستغلال وحتى الإجرام.
هذا ما يُسمَّى: “النفاق الاجتماعي”،

لكنَّنا في هذا المقال سنتحدَّث عن نوعٍ آخر من النفاق ألا وهو: “النفاق الاقتصادي”.

والمشكلة هي أنَّ أثر النفاق الاجتماعي يَنحَصِرُ في نطاق الثقة في العلاقات، أمَّا النفاق الاقتصادي فهو مُدمِّرٌ للعلاقات المالية بما يَطعَنُ بسلامة المدخلات والمخرجات في قوائم الدخل للمنشآت والشركات.

لذا، يمكننا تعريف: “النفاق الاقتصادي” بأنَّه: “إِظهَار صورةٍ مخادعةٍ لا تُعبِّر عن حقيقة الأوضاع التشغيلية أو المالية أو القانونية المؤثِّرة على النشاط الاقتصادي”.

والمشكلة أنَّه في ظلِّ الأزمات المالية والاقتصادية التي بدأت منذ كوفيد-19 ثم الأزمة الأوكرانية في 2022، فقد بَدَت المشاريع الخيرية ملاذاً آمناً من التعثُّر أو السقوط الاقتصادي لكثيرٍ من الشرائح الاجتماعية؛ وهذا ما يُرِيحُ ميزانيات الدول من عبء الدعم المالي المباشر أو غير المباشر لهذه الشرائح.

وهكذا، أصبَحَ النفاق الاقتصادي أخطر في هذه الأيام، ففي ظلِّ الحاجة الماسَّة للمشاريع الخيرية فقد زادت التسهيلات المُقدَّمَة إليها؛ رغبةً في زيادة الدعم الاجتماعي، لذا، يمكن أن يجد النفاق الاقتصادي بيئةً خصبةً أكبر في وقتنا الراهن.

وإذا أردنا حَصْرُ أهمِّ صور النفاق الاقتصادي فيما يلي:

أولاً: التلاعب بالنشاط التشغيلي؛ فقد نَجِدُ مشروعاً يقومُ بالترخيص لنشاط الصناعات الزراعية إذا كانت لها ميِّزاتٌ استثماريةٌ؛ رغبةً من الحكومة بدعم الزراعة مثلاً، فيما يكون النشاط الحقيقي للشركة هو مُجرَّد استيراد السلع الزراعية الأجنبية ولصق طابع الصناعة الوطنية عليها دون صناعَتِهَا حقيقيةً.
وهكذا يكون الهدف من النفاق الاقتصادي هنا هو اكتساب ميِّزاتٍ استثماريةٍ تفضيليةٍ مُقرَّرةً لمصلحة الاقتصاد الوطني بشكلٍ غير مشروع.

ثانياً: التلاعب بالقوائم المالية؛ في هذا النوع من النفاق يكون النشاط التشغيلي للمنشأة أو الشركة حقيقياً، فيكون الترخيص مُطَابِقَاً للنشاط الفعلي، لكن النفاق يكون على شكل تلاعبٍ في الأرقام المالية المذكورة في القوائم المُقدَّمة للجهات الضريبية مثلاً؛ كأن يقوم التاجر بتسجيل أسعارٍ وهميةٍ للبضائع التي يَشتَرِيهَا ثم يبيعها بربحٍ؛ حتى يَظهَرَ هامش ربحِهِ على الدفاتر التجارية أقلَّ بكثيرٍ من حقيقَتِهَا، وهكذا تنخَفِضُ ضريبة المبيعات بأضعافٍ عمَّا يجب عليه أن تكون. هذه الممارسة غير المشروعة يمكن أن يتمَّ توصيفها على أنَّها جريمة تهرُّبٍ ضريبيٍّ.

ثالثاً: التلاعب بالطبيعة القانونية؛ وهي مِن أهمِّ أنواع النفاق الاقتصادي، فهي عبارةٌ عن ترخيص المنشأة وفق طبيعةٍ مُعيَّنةٍ قام المشرع بتنظيمِهَا على أنَّها ذاتُ طبيعةٍ قانونيةٍ خاصَّةٍ، فيما تكون في حقيقَتِهَا ذات طبيعةٍ أخرى. فتكون الجمعية الخيرية واجهةً لغسل الأموال مثلاً كأن يتمَّ مَنْحُ أموالٍ آتيةٍ من جرائم الاتجار بالمُخدِّرات إلى أشخاصٍ مرتبطِينَ مع تجَّار الممنوعات على شكل تبرُّعات حتى تأخذ مصدر دخلٍ مشروعٍ، أو تكون هذه المشاريع أداةً للنصب عبر سحب الأموال من المُموِّلين، ثم توزيعها على أشخاصٍ مرتبطِينَ مع إدارة المشروع. ويمكن اعتبار الطبيعة الخيرية الكاذبة بأنَّها إحدى أخطر أنواع التلاعب بالطبيعة القانونية.

والسبب من وراء هذه الخطورة هو أنَّ المشروع الخيري يقوم فِعلاً بنشاط التبرُّع بعد استقبال المعونات المالية من المُتَبَرِّعِين، فيَظهَر أنَّه لا يوجد هنا تلاعب بالنشاط التشغيلي، كما أنَّ المؤسَّسة الخيرية قد تُقدِّمُ بياناتٍ ماليةٍ صحيحةٍ ودقيقةٍ، فلا يبدو هناك أي تلاعبٌ بالقوائم المالية.
بناءً عليه، فإنَّ التلاعب بالطبيعة الخيرية هو أكثر أنواع الممارسات غير المشروعة تعبيراً عن النفاق الاقتصادي؛ لأنَّه يتمسَّكُ بواجهةٍ خيريةٍ كاذبةٍ تَجلِبُ إليه تعاطُفاً اجتماعياً ودعماً مالياً وامتيازاتٍ حكوميةٍ وضريبيةٍ، في حين تكون الحقيقية أنَّ هذا المشروع الخيري ما هو إلاَّ أداةٌ إجراميةٌ واستغلاليةٌ تمتصُّ موارد المجتمع ذاتَه الذي تعاطَف معه وقدَّم له الدعم.

لذا، يمكن القول بأنَّ القيام بالنفاق الاقتصادي من خلال واجهةٍ خيريةٍ فيه من الاستعداد الجرمي درجةً أكبر من باقي ممارسات هذا النفاق؛ وذلك للأسباب التالية:

• يَستَغِلُّ المشروع الخيري التسهيلات الحكومية بالنظر إلى كَونِهِ يُقدِّمُ دَعمَاً لمستوى معيشة الأفراد من ذوي الدخل المحدود أو الفقراء أو أصحاب الإصابات البدنية الذين لا يمكنهم العمل.

• تتلاعب إدارة المشروع بعواطف الناس وتستغلُّ رغبتهم بفعل الخير.

• يمكن أن يأخذ عمل المشروع الخيري إطاراً دولياً ما يَزِيدُ من مخاطر العمل الخيري على استقرار المجتمع من دخول تمويلاتٍ أجنبيةٍ مشبوهةٍ.

• لا يُوجَد للمشروع الخيري أية طبيعةٍ تجاريةٍ؛ لذا فهو يعمل بآليةٍ مرنةٍ بعيدةٍ عن الرقابة الصارمة التي تكون عادةً على الشركات وغيرها من المشاريع التجارية.

• لا تُعتَبَر موارد المشروع أرباحاً بالمعنى القانوني للكلمة، بل هي مواردٌ تُضَافُ إلى رأس مال المشروع. بينما قد يَحصَلُ المشروع التعاوني على أرباحٍ، ويقوم بتوزيعِهَا على أعضاء المشروع.

• لا يُعتَبَرُ المشروع الخيري مشروعاً مهنياً، لذا فلا يحتاج تأسيسه إلى عضوية المؤسِّسين في إحدى النقابات المهنية مثل المحامين أو الأطباء أو المحاسبين، وغيرهم من أرباب المهن. كما أنَّ المشروع الخيري لا يُحقِّقُ أرباحاً، بينما يكون أساس تأسيس المشروع المهني هو الحصول على الأرباح من ممارسة المهنة، حتى أنَّه توجد أشكالٌ قانونيةٌ لشركاتٍ مهنيةٍ.
يُضَافُ إلى كلِّ هذه المخاطر على اقتصاد واستقرار أيِّ مجتمعٍ من النفاق الاقتصادي الخيري، مجموعةً كبيرةً من الآثار الجسيمة على عدَّة مستوياتٍ، كما يلي:

(1) الأخطار الاقتصادية المُحدِقَةِ؛ وهي مجموعةٌ من الآثار السلبية التي تتمثَّل في سحب مدَّخرات الناس وتجفيف سيولَتِهِم واستغلال امتيازاتٍ حكوميةٍ وضريبيةٍ كانت تَستَحِقُّهَا مشاريعٌ أخرى؛ الأمر الذي سيَنعَكِسُ سلباً على ميزانية الدعم الحكومي من جهةٍ، والقدرة التنافسية للمشاريع التجارية والتعاونية والمهنية التي يُمَارِسُ المشروع الخيري ذات نَشَاطِهَا مُتَسَتِّرَاً بقِنَاعِ النشاط الخيري من جهةٍ أخرى.

(2) المشكلات الإدارية والقانونية بالِغَة التعقيد؛ حيث إنَّ إنفاذ القانون من السلطات الإدارية الحكومية مُتَمَثِّلَةً في وزارة التجارة، ووزارة المالية، ووزارة الاستثمار، كلُّها قد تَقِفُ جامِدَةً أمام ممارسات النفاق الاقتصادي الخيري؛ والسبب هو أنَّ المشروع يأخُذُ شكلاً خيرياً مُتَكَامِلَاً من حيث صِحَّة الحسابات. كما أنَّ المباحث العامة قد تَجِدُ صعوبةً في اكتشاف الجرم وتقديمه للنيابة بسبب الخطَّة المحكمة لتغطية حقيقة المشروع، كما أنَّ النيابة قد تَرَى عدم كفاية الأدلَّة لإقامة الدعوى العامة بسبب صعوبة تحصيل الأدلَّة الكافية على المشروع الخيري.

(3) الآثار الاجتماعية العميقة؛ والتي تَظهَرُ من خلال عُزُوفِ الناس شيئاً فشيئاً عن التبرُّع بأموالِهِم لحساب المشاريع الخيرية؛ خوفاً من ذهاب هذه الأموال إلى جهات استغلالية غير خيرية أو حتى احتيالية، رغم أنَّ حسن نية المُتبرِّع تَكفَلُ له الأجر في جميع الأحوال والله أعلم.

وهنا نعود للتساؤل:

كيف يمكن أن تُضَاعِفَ أزمات ما بعد عام 2022 من خطورة النفاق الاقتصادي الخيري؟

ببساطةٍ، فإنَّ جميع المشاريع الخيرية يكون لها دور البطولة حينما تشتدُّ الأزمات المالية؛ والسبب أنَّ الشرائح الاجتماعية المتوسِّطة تَتَحوَّلُ إلى فقيرةٍ تَحتَاجُ إلى الدعم، فيما تَهبِطُ الشرائح الفقيرة إلى مستويات الفَقرِ المُدقِع أو حتى الجوع.

لذا، فإنَّ يَدَ المساعدة التي تُقدِّمُهَا المشاريع الخيرية قد تُنقِذُ أرواحَ عدداً كبيراً من الناس، لذا يمكن أن تُساعِدَ الحكومات في تشغيل المشاريع الخيرية عبر التسهيلات الإدارية، وتقديم تشريعات إلى البرلمانات حتى تُصدِرَ قوانين تُسهِّلُ تأسيس وتشغيل المشاريع التشغيلية.
هذه الظروف تُشكِّلُ أرضيةً سهلةً لتَغَلْغُلِ النفاق الاقتصادي إلى القطاع الخيري، وهنا يكون المشرع والحكومة أمام خيارَيْن كلاهُمَا مرٌّ، وهما إمَّا زيادة مستوى الرقابة والتدقيق على المشاريع الخيرية؛ وهو ما سيُبْطِئُ من نشاطَهَا، أو زيادة مستوى التسهيلات التشريعية والحكومية على حساب مخاطر الاستغلال غير المشروع للقطاع الخيري.

ويبدو أنَّ الحل يمكن فيما يلي:

• تسهيل تأسيس المشاريع الخيرية على المستوى الإداري من حيث إلغاء العقبات الروتينية واستبدال المعاملات التقليدية بالإلكترونية.

• عدم التغاضي عن أية معاييرٍ لقياس مخاطر غسل الأموال بخصوص تأسيس أيِّ مشروعٍ خيريٍّ.

• زيادة مستوى الحرص على مستوى دقَّة القوائم المالية للمشروع الخيري والتفتيش على مخازِنِهِ وجَرْدِ سجلَّاتِهِ بعد تأسيسه، وخلال ممارسة نشاطه.

• اختيارُ عيِّناتٍ عشوائيةٍ من الشرائح التي تمَّ تسجيلُهَا في سجلاَّت المشروع كشرائحٍ تَستَحِقُّ الدعم والقيام بزيارةٍ ميدانيةٍ لها؛ للتأكُّد من استحقاقِهَا وعدم ارتباطِهَا بعلاقاتٍ مشبوهةٍ مع إدارة المشروع الخيري.

• الاستفادة من تجربة المنظمات الخيرية الدولية في حوكمة القطاع الخيري.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا