- مصر مصنفة دولة موبوءة.. وتعميم اللقاح السباعي السبيل الوحيد لحماية الماشية
- دعوة لتشكيل لجنة وطنية وبروتوكولات علاجية لمواجهة الأوبئة قبل الكارثة
الثروة الحيوانية في مصر ليست مجرد أرقام في جداول الإنتاج أو إحصاءات رسمية تُعلن بين الحين والآخر، وإنما هي عمود أساسي من أعمدة الأمن الغذائي القومي، ومصدر رزق لملايين المزارعين وصغار المربين الذين يعتمدون عليها في معيشتهم اليومية، ومن ثم فإن أي تهديد يطال هذا القطاع ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، سواء من حيث وفرة الغذاء أو استقرار أسعاره أو حتى سلامته الصحية.
وعلى مدار السنوات الماضية، تكررت تحذيرات الخبراء من المخاطر التي تمثلها الأمراض الوبائية التي تتسلل عبر الحدود لتصيب الماشية المصرية، وفي مقدمتها مرض الحمى القلاعية الذي يُعد من أخطر التحديات التي تواجه الثروة الحيوانية منذ عقود، فهذا الفيروس شديد العدوى لا يهدد المزرعة فقط بخسائر فادحة في الإنتاج والنفوق، بل يهدد الأمن الغذائي برمته إذا لم تتم السيطرة عليه بشكل عاجل ومنظم.
وخلال أخر شهرين، عاد شبح الحمى القلاعية ليطل برأسه بعد إعلان وزارة الزراعة عن ظهور بؤرتين لعترة جديدة من الحمى القلاعية "سات 1" في محافظة الإسماعيلية، ورغم التدخل السريع عبر حملات التحصين، فإن أصوات الخبراء عادت لتدق ناقوس الخطر، محذرة من أن أسلوب التعامل مع الأزمة لا يزال قاصرًا عن مواجهة حجم التهديد، وأن ثغرات المنظومة البيطرية، من غياب التحصين المجاني الإجباري إلى ضعف إجراءات الحجر الصحي، تجعل البلاد عرضة لموجات جديدة من الخسائر.
في هذا السياق، يكشف الدكتور عاطف شريف، خبير الثروة الحيوانية، ملامح الأزمة الراهنة وأسبابها العميقة الممتدة عبر سنوات، محذرًا من تداعياتها الاقتصادية والصحية والاجتماعية، ومؤكدًا أن الحل يكمن في خطة وطنية متكاملة للتحصين والسيطرة على الأوبئة، قبل أن نجد أنفسنا أمام كارثة يصعب احتواؤها.
قال الدكتور عاطف شريف، خبير الثروة الحيوانية، إن وزارة الزراعة أعلنت عن ظهور بؤرتين للعترة الجديدة "سات 1" في محافظة الإسماعيلية، موضحًا أن أجهزة الدولة سارعت بتنفيذ حملة تحصين اضطراري عقب الانتهاء من برنامج التحصين الدوري المعتاد.
وأشار إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن التحصين يتم بمقابل مادي، ما يجعل المربين غير ملزمين بالاستجابة له، مؤكدًا أن الغريب في الأمر أن بعض الجهات تطلق عليه اسم "التحصين السيادي"، أي المجاني الذي تتحمله الدولة، في حين أن المربي مطالب بالدفع، مضيفًا أن الوزارة كان من المفترض أن توفر اللقاحات مجانًا، لأن أي تأخير في عملية التحصين قد يتسبب في انتشار الفيروس على نطاق واسع داخل الجمهورية.
ولفت الخبير إلى أن الوضع كان مختلفًا قبل عام 2006، حيث كان التحصين ضد الحمى القلاعية إلزاميًا في القرى والمزارع، وهو ما ساعد في السيطرة على المرض والحد من ظهوره في صورة بؤر وبائية متفرقة كما يحدث في الوقت الحالي.
أثار الدكتور عاطف شريف تساؤلات حول فاعلية اللقاح الذي أعلنت وزارة الزراعة استخدامه للتحصين ضد العترة الجديدة من الحمى القلاعية “SAT 1” ، مشيرًا إلى أنه حتى الآن لا توجد دلائل قاطعة على مدى قدرة اللقاح على مواجهة الفيروس.
وأوضح أن بؤرتي المرض اللتين ظهرتا مؤخرًا تم عزلهما، وسُحبت عينات من الماشية المصابة لتحليلها داخل المعمل المركزي للمصل واللقاح، إلا أن الغموض ما زال يحيط بمدى نجاح التحصين، وتساءل: "من يعرف هل سيؤدي اللقاح إلى ظهور أعراض جانبية على الماشية أم لا؟"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن المربين مجبرون على استخدامه في ظل غياب بدائل أخرى.
وأضاف أن العترة الجديدة للمرض ظهرت منذ شهر ونصف تقريبًا، وهو وقت كافٍ لانتشار الفيروس في مناطق متعددة من الجمهورية، لافتًا إلى أن الحيوانات لم تكتسب مناعة طبيعية أو مكتسبة ضد هذه السلالة المستحدثة نظرًا لعدم تحصينها مسبقًا بها.
وأشار إلى أن عام 2006 كان بمثابة نقطة فاصلة في ملف السيطرة على الأوبئة الحيوانية، حيث لم تكن مصر آنذاك تعاني سوى من العترة “O” وكان التحصين السيادي يُوفر مجانًا بالكامل، مما ساعد على إحكام السيطرة، لكن، ومع مرور الوقت، بدأت العترات الجديدة في التسلل إلى البلاد قادمة من دول مجاورة، لتشمل الحمى القلاعية بعترات مختلفة، إلى جانب الجلد العقدي والحمى المؤقتة.
وأكد أن السبب الرئيس وراء ذلك يرجع إلى التراخي في إجراءات الحجر البيطري للحيوانات المستوردة من دول موبوءة مثل إثيوبيا، موضحًا أن بعض كبار المستوردين قاموا بإدخال هذه الحيوانات إلى الأسواق المحلية دون استكمال فترة الحجر البيطري داخل المزارع، وهو ما ساعد على انتشار الأمراض في الداخل.
فقدان 40% من الثروة الحيوانية في خمس سنوات
وكشف الخبير أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت خسائر جسيمة في القطيع القومي، حيث تسببت الأوبئة والاختراقات الصحية، إلى جانب عوامل أخرى، في القضاء على أكثر من 40% من الثروة الحيوانية آنذاك، معتبرًا أن هذا المؤشر في غاية الخطورة ويستدعي تدخلًا عاجلًا.
وأوضح أن الجميع يدرك وجود تسريب للحيوانات من دول مجاورة موبوءة، متسائلًا عن السبب وراء عدم الاستعداد المبكر بإنتاج لقاحات تضم مختلف العترات المتوقعة منذ سنوات، تحسبًا للوضع الذي تشهده البلاد حاليًا، مضيفًا أن غياب منظومة حجر بيطري فعالة يمثل أحد أبرز مواطن الخلل، فضلًا عن انعدام وجود خطة واضحة أو خريطة لتتبع الأوبئة في الدول المحيطة بمصر، وهي المصدر المباشر لاحتمالية تسلل الأمراض.
وتساءل: "العترة الجديدة للحمى القلاعية ظهرت منذ فترة، فلماذا لم تُتخذ الاحتياطات اللازمة للتحصين ضدها والسيطرة على انتشارها من خلال اللقاحات المتاحة مثل التحصين السباعي الذي توفره بعض الشركات؟"، مؤكدًا أن المشكلة تفاقمت بسبب عدم الاعتراف المبكر بظهور المرض، بينما تُصنف مصر بالفعل ضمن الدول الموبوءة.
وأشار إلى أن الفيروس لا يحتاج سوى فترة لا تتجاوز الشهرين لينتشر على مستوى الجمهورية بالكامل، محذرًا من تداعيات خطيرة على الإنتاج الحيواني، مشيرًا إلى أن الإصابة بالحمى القلاعية تؤدي إلى تراجع إنتاج الألبان بنسبة لا تقل عن 20%، فضلًا عن التهابات في الضرع قد تتسبب في تليفات تجعله غير صالح للإنتاج مستقبلًا، كما يتسبب المرض في تأخير عمر العشر من عام ونصف إلى أكثر من عامين، ويؤدي إلى حدوث عقم مؤقت في الأبقار لفترة قد تصل إلى ستة أشهر.
وأضاف أن التأثير الأكبر يظهر على العجول الرضيعة دون عمر عشرة أيام، حيث تسجل نسب نفوق مرتفعة جدًا نتيجة انتقال العدوى إليها عبر اللبن أثناء الرضاعة أو عن طريق الهواء، في وقت لا يكون فيه جهازها المناعي قد اكتمل بعد، مما يجعلها أكثر عرضة للهلاك.
وأشار شريف إلى أنه خلال عام 2006 حدثت موجات نفوق جماعي في بعض المزارع المصرية، وصلت نسبتها إلى 100% بين العجول الرضيعة دون عمر عشرة أيام، موضحًا أن المزرعة التي يتسلل إليها المرض لأول مرة تشهد انتشارًا واسعًا للعترة الجديدة حتى ولو بدأ الأمر بحيوان واحد فقط، إذ لا يتجاوز الأمر أسبوعين حتى تنتقل العدوى إلى القطيع كله.
وبين أن الأثر البعيد كان يتمثل في توقف المواليد الجديدة من العجول لمدة سبعة أشهر كاملة، وهو ما انعكس سلبًا على عدد الأمهات بعد نحو عامين ونصف، مشيرًا إلى أن الحمى القلاعية تتسبب أيضًا في تضخم القلب لدى بعض الأبقار، بحيث تبدو بحالة جيدة ثم تسقط فجأة نافقة.
وأوضح الخبير أن المرض يسبب نقصًا حادًا في إنتاج الحليب وأوزان عجول التسمين، إلى جانب تليف ضروع بعض الأبقار بشكل كامل أو جزئي، وتساقط الحلمات وفقدها نهائيًا، ويؤدي المرض كذلك إلى إجهاض الأبقار العشار نتيجة ارتفاع الحرارة لفترات طويلة، بجانب تقرحات شديدة في الفم تشمل اللسان واللثة والشفاه، مما يمنع الحيوان من الأكل ويؤدي إلى فقدان الوزن وربما الرقود التام، أما الأظلاف فتتأثر بالتهابات وتقرحات قد تصل إلى اقتلاعها تمامًا، فيما يعرف بـ"القلاعية".
وطالب شريف بسرعة إنتاج وتوفير لقاح سباعي شامل ضد مختلف العترات، وأن يتم التحصين مجانًا على مستوى الجمهورية باعتبار أن مصر مصنفة كدولة موبوءة، وشدد على ضرورة إلزام المربين، خصوصًا صغار الفلاحين، بالمشاركة في برامج التحصين، لافتًا إلى أنهم يمثلون السبب الرئيس في انتشار العدوى، وأن الخسائر الناتجة عن عدم التحصين أشد كلفة من توفير اللقاح مجانًا.
انتقال المرض إلى الإنسان
وأكد الخبير أن للحمى القلاعية تأثيرات مباشرة على صحة الإنسان، خاصة الأطفال، حيث قد تظهر لديهم بثور وتقرحات على اللثة والشفاه واللسان والجلد، مع أعراض شبيهة بالإنفلونزا تستمر عدة أيام ثم تختفي، كما قد يصاب البالغون بأعراض مشابهة عند التعرض المباشر.
وأشار إلى أن انتقال العدوى للإنسان يرتبط بشكل أساسي بتناول اللبن الخام غير المغلي أو غير المعقم، موضحًا أن الأمر قد يمتد للإصابة بأمراض أخرى مثل السل والبروسيلا.
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور عاطف شريف على ضرورة وضع بروتوكول علاجي وإجراءات احترازية موحدة تلتزم بها جميع المزارع والمربين، مؤكدًا أن الأمر يتطلب تشكيل لجنة وطنية تضم كبار علماء الطب البيطري وخبراء الإنتاج الحيواني ومديري المزارع الكبرى أصحاب الخبرة في مواجهة الأوبئة، وقال: "لا يجوز أن يترك كل مربٍ يتصرف وفق اجتهاده الشخصي، لأن ذلك يفتح الباب أمام كارثة حقيقية، والحل هو بروتوكولات علمية واضحة تضمن سرعة المواجهة وتقليل الخسائر.