تحقيق: علياء حسين
خلال الأشهر الماضية لم تعد منصة تيك توك مجرد مساحة للتسلية وصناعة المحتوى بل تحولت إلى ملف مطروح أمام جهات التحقيق في مصر بعدما وُجهت إلى عدد من مشاهيرها اتهامات بالضلوع في أنشطة غسل أموال وتحويلات مالية مشبوهة هذه القضايا فتحت الباب أمام تساؤلات مشروعة حول كيفية تصرف صناع المحتوى في أرباحهم وهل تمر هذه الأموال عبر القنوات المصرفية الرسمية أم تجد طريقها إلى مسارات بديلة بعيدة عن أعين الرقابة؟ سوق أرباح تيك توك الموازية وللإجابة عن هذه الأسئلة رصدت عالم المال ثلاث مجموعات مفتوحة على "فيسبوك" تراوحت أعداد أعضائها بين 2.8 ألف و3.1 ألف وصولًا إلى مجموعة أكبر يقترب عدد أعضائها من 65 ألفًا وتخصص هذه المجموعات منشوراتها للإعلان عن خدمات سحب أرباح "تيك توك" مقابل عمولات أو بأسعار صرف خاصة تختلف عن السعر الرسمي. وانطلاقًا من هذا الرصد تواصلت عالم المال مع عدد من الوسطاء الذين أجمعوا على سحب أرباح "تيك توك" خارج البنوك عن طريق المحافظ الالكترونية أو منصات مثل "PayPal"أو "بايونير" بالإضافة لمنصة تداول العملات الرقمية "Binance" وذلك لتجنب المساءلة القانونية وفيما يلي نستعرض جانب من المحادثات مع الوسطاء: [caption id="attachment_914056" align="alignnone" width="286"]
وسيط 1[/caption] [caption id="attachment_914057" align="alignnone" width="134"]
وسيط[/caption]
[caption id="attachment_914058" align="alignnone" width="177"]
وسيط[/caption]
[caption id="attachment_914059" align="alignnone" width="155"]
وسيط[/caption]
[caption id="attachment_914060" align="alignnone" width="167"]
وسيط[/caption]
وتشير التقديرات الى أن ما تم رصده من نشاط غير رسمي في سوق سحب أرباح تيك توك لا ينفصل عن صورة أوسع للاقتصاد الموازي في مصر ولتقدير حجم هذا الاقتصاد مقارنة بالاقتصاد الرسمي ، إذ توضح بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء 2023 إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي أي ما يقارب 127 مليار دولار كما أوضح الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن ما يقرب من 60% من قوة العمل في مصر تنشط في هذا القطاع بعيدًا عن المظلة الضريبية والرقابية وهذه الأرقام تعكس أنشطة مثل سحب أرباح تيك توك عبر الوسطاء والتي تعد إحدى صور الاقتصاد الموازي لكنها ليست وحدها بل جزء من منظومة أوسع تضم أنشطة متعددة تدور خارج الإطار الرسمي.
اقتصاد الظل تحت الرقابة
ومع اتساع أنشطة وسطاء التيك توكر على وسائل التواصل الاجتماعي كان هناك تساؤلات حول الجانب التنقي واَليات الرقابة على تلك الممارسات وهنا قال المهندس محمد الحارثي خبير تكنولوجيا المعلومات:إن الفترة الأخيرة شهدت ضبطًا كبيرًا لمسألة التحويلات غير الرسمية عبر الوسطاء موضحًا أن وزارة الداخلية قامت بعمليات رصد وضبط الأنشطة المخالفة وذلك فيما يتعلق بما يحدث عبر المنصات وما يرتبط بالوسطاء الذين كانوا يمارسون هذه الأعمال مضيفًا أن عددًا كبيرًا ممن تورطوا في هذه الأنشطة على المنصة ضُبطوا بالفعل.
وأوضح خبير تكنولوجيا المعلومات أن بعض الوسطاء ينجحون تقنيًا في تمرير تحويلات مالية عبر الإنترنت دون أن ترصدها أنظمة المصارف من خلال أساليب تحايل خارج المنظومة البنكية تتمثل أحيانًا في تحولات للأموال عبر المحافظ المربوطة بالموبايل أو إعطائها كاش لبعض أصحاب الحسابات أو عبر "PayPal" من خارج مصر ولكن الدولة حين ترصدها تبدأ في التعامل معها لإغلاق الثغرات".
وأشار إلى أن رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب أعلن عن اتخاذ إجراءات تنظيمية مع الممثل القانوني لـ"تيك توك" بهدف ضبط هذه المسألة وغلق أي ثغرات قد يستغلها البعض في تحقيق أرباح خارج المنظومة الرسمية.
كما أكد محمد الحارثي على أنه لا توجد ثغرات تقنية فعلية لكن الوسطاء يتحايلون على الأنظمة القائمة مشيرًا إلى أن من قُبض عليهم وُجد بحوزتهم شرائح موبايل بأسماء أشخاص آخرين موضحًا أن هذا أحد أشكال التحايل التي يتم ضبطها مشيدًا بدور وزارة الداخلية الكبير في مواجهة هذه الممارسات.
وعن توصيف ممارسات الوسطاء قال الحارثي: "هي ليست غسل أموال بل احتيال وتحايل وتربح خارج المنظومة الرسمية وبحكم القانون تعتبر جريمة سواء كانت من جرائم الأموال العامة أو غيرها حسب نوعها ومن ثم تُصنف وفقًا للقانون باعتبارها جرائم مالية تُضبط ويصدر بشأنها أحكام قضائية مشيرًا إلى أن أي تعاملات مالية غير رسمية تمثل تهديدًا للأمن العام وتُعتبر جريمة تستوجب الملاحقة والرصد واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
أما بخصوص التحويلات عبر المحافظ الإلكترونية و""PayPalأوضح أن التحويلات عبرهما يعد تحايل واصفًا الأمر بأنه طبيعة الجريمة حيث يسعى من يتعامل خارج المنظومة الرسمية إلى التحايل الدائم على الأنظمة القائمة.
موقف الضرائب من دخل التيك توكر
وفيما يتعلق بالشق الضريبي قال طلعت عبد السلام المستشار الضريبي ومدير مكتب رئيس مصلحة الضرائب سابقًا: إن مصلحة الضرائب أنشأت وحدة خاصة لمتابعة أنشطة التجارة الإلكترونية تشمل رصد أرباح صانعي المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" موضحًا أن المصلحة حققت بالفعل بعض النتائج في هذا الملف لكنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من الجهد وتوسيع آليات الحصر والمتابعة.
وعن التحويلات غير الرسمية التي يلجأ إليها بعض التيك توكر مثل استخدام وسطاء لتحويل الأموال من الخارج أو استثمار العوائد في شراء العقارات أوضح طلعت عبد السلام أن هذه الممارسات موجودة بالفعل لكنه شدد على أن مصلحة الضرائب لديها أدوات كافية لرصد هذه الإيرادات إذ يمكنها الاستناد إلى مؤشرات مثل عدد المتابعين وحجم المشاهدات وعدد المواد المنشورة لتقدير العوائد حتى إذا حاول أصحابها إخفاءها أو لم يتقدموا طوعًا لفتح ملف ضريبي.
كما أكد أن التشريعات الحالية سواء قانون ضريبة الدخل أو قانون القيمة المضافة تخضع هذه الإيرادات بالفعل للضريبة باعتبارها ضمن أنشطة المهن الحرة موضحًا أن المشكلة ليست في غياب تشريع وإنما في صعوبة الحصر.
ولفت طلعت عبد السلام المستشار الضريبي إلى أن التحويلات عبر المحافظ الإلكترونية أو أي وسيلة مالية خارج نطاق الرصد الرسمي تمثل تحديًا للمصلحة مشددًا على أهمية تطوير قدرات وحدة التجارة الإلكترونية وتزويدها بتدريبات متخصصة في هذا المجال وبجانب تكثيف جهود التوعية والندوات للوصول إلى صانعي المحتوى.
وأشار إلى أن الدولة تعتمد على الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات بنسبة تصل إلى 75% في حين يمثل الاقتصاد غير الرسمي نحو 50% من حجم الاقتصاد وفق التقديرات الرسمية.
وأضاف أن استمرار خروج أموال من تحت مظلة الضرائب يشكل خطورة مزدوجة سواء على الأفراد الذين قد يتعرضون لعقوبات التهرب الضريبي التي تصل إلى الغرامة والحبس أو على الدولة التي تفقد موارد أساسية يمكن أن تسهم في تقوية الاقتصاد الرسمي وتخفيف العبء عن الممولين الملتزمين.
كيف يقوم الوسطاء بإجراء التحويلات المالية ؟
ولفهم طبيعة عمل هؤلاء الوسطاء وكيفية تحرك الأموال خارج الجهاز المصرفي تحدثنا مع دكتور أحمد شوقي الخبير المصرفي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء الذي بدأ حديثه قائلًا:"إن كل العمليات التي تتم خارج القطاع المصرفي المصري أغلبها تكون عمليات غسل أموال لأن أصحاب هذه الأموال بطبيعتهم لا يستطيعون إدخالها داخل الجهاز المصرفي نظرًا لأنها ناتجة عن عمليات غير سليمة أو مشبوهة ومن ثم الأموال تبدأ في التدفق من خلال وسطاء "تيك توك" لتُحول إلى حسابات التيك توكر ويُغسل جزء منها".
وتابع دكتور أحمد شوقي إلى أن الوسطاء لديهم طرق متعددة للتحايل منها إجراء تحويلات بمبالغ صغيرة من مصادر مختلفة لإحداث عملية تضليل بحيث لا يمكن تتبع مصدرها بسهولة مشيرًا إلى أن البنوك تركز على المبالغ المتكررة من مصدر إلى آخر وتطبق في هذه الحالة إجراءات " KYC" لمعرفة مصدر الأموال.
ولفت إلى أن الوسطاء قد يذهبون إلى دول أخرى لإجراء تحويلات متعددة من أماكن مختلفة لتضليل البنوك ومنعها من كشف مصدر الأموال مشيرًا إلى أن التحويلات الصغيرة المتكررة يمكن أن تكشفها البنوك لكن إذا اختلفت المصادر وتنوعت الحسابات يصبح من الصعب تتبعها أما إذا كان حساب واحد يتلقى تحويلات من أماكن متعددة فإن البنك يتوقف فورًا خصوصًا إذا كانت التحويلات قادمة من دول مدرجة على قوائم الاحتيال أو معروفة بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب.
كما تابع:"لدينا تحدٍ كبير تمثل في المحافظ الإلكترونية التابعة لشركات الاتصالات فمع انتشار أدوات التحول الرقمي أصبح من الممكن تحويل مبالغ مالية عبر هذه المحافظ وهو ما جعلها خارج القطاع المصرفي صحيح هناك رقابة عليها لكنها ليست بنفس قوة الرقابة الموجودة داخل البنوك ويمكن التغلب على هذا التحدي من خلال تعزيز الرقابة بشكل مستمر وتوسيع نطاقها على الشركات العاملة في القطاع المالي غير المصرفي أسوة بالمؤسسات المصرفية".
وأكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي أن التحويلات المستمرة خارج الجهاز المصرفي تؤثر بطبيعتها على سعر الصرف موضحًا أن حجم هذه العمليات وتكرارها يؤديان إلى أثر سلبي على السوق الرسمي.
أرباح التيك توكر بين الاقتصاد الخفي والضرائب
ومن جانبه قال الدكتور وليد جاب الله الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والاحصاء : إن الأرباح التي تُحول عبر وسطاء خارج الجهاز المصرفي الرسمي تُعتبر جزءًا من الاقتصاد الخفي خاصة إذا كانت هذه الأنشطة غير حاصلة على تصريح ولا تخضع للمحاسبة أو الحصر الضريبي.
وأوضح أن صناع المحتوى وغيرهم من العاملين على منصات التواصل الاجتماعي ينقسمون إلى فئتين: فئة تمارس نشاطها بشكل رسمي وأخرى تلجأ إلى طرق غير شرعية مشيرًا إلى أن البعض يلجأ إلى هذه الطرق لأنه يعمل دون ترخيص ويرغب في تجنب سداد الضرائب أو المستحقات بينما قد يكون البعض الآخر مرتكبًا لجرائم أخرى ويتخذ هذه الآليات لارتكاب جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات".
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أي نشاط بعيدًا عن الرسمية هو نشاط مخالف لافتًا إلى أن الاقتصاد الخفي في مصر يتجاوز 40% من حجم الاقتصاد قائًلا: إن هذا الأمر غير مشروع ويجب محاربته لكني لا أتصور أن ظاهرة التيك توكر تمثل أثرًا كبيرًا أو مباشرًا على الاقتصاد الكلي".
وبسؤاله حول مخاطر ظاهرة اللجوء إلى الوسطاء لسحب الأموال أوضح دكتور وليد أن الأمر لم يصل بعد إلى مستوى المخاطر لكنه أكد أن أي نشاط غير رسمي لا يحصل على ترخيص ولا يسدد التزاماته الضريبية يمثل ضررًا على الاقتصاد وعلى بقية المجتمع الضريبي فعندما يتوزع العبء على أكبر عدد من الممولين ينخفض عبء التمويل على الجميع وبالتالي فإن هذه الظاهرة تمثل ضررًا.