الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
قمة شرم الشيخ للسلام قمة شرم الشيخ للسلام

3 سيناريوهات تحدد مسار الاقتصاد المصري بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة

بعد أشهر من التوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على التجارة العالمية وحركة الملاحة في البحر الأحمر، جاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وانعقاد قمة شرم الشيخ للسلام، ليعيد الأمل في انفراجة اقتصادية تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات في الاقتصاد المصري، الذي تأثر بصورة مباشرة بتداعيات الحرب. 

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور أحمد البكل، أستاذ الاقتصاد بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة السويس، أن دراسة تداعيات اتفاق وقف إطلاق النار على الاقتصاد المصري خطوة ضرورية لفهم فرص التعافي خلال الفترة المقبلة.

وقال الدكتور أحمد البكل، أستاذ الاقتصاد بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة السويس، إن أي أزمة أو حرب أو مشكلة سياسية لا بد أن تكون لها قنوات انتقال أثر على الاقتصاد، موضحًا أن الاقتصاد المصري يتأثر عبر خمس قنوات رئيسية، يأتي في مقدمتها قطاع السياحة، يليه قناة السويس، ثم القنوات الداخلية المرتبطة بمعدل التضخم، إلى جانب سعر الصرف ومعدل البطالة، بالإضافة إلى الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي، مؤكدًا أن هذه القنوات تُعد من أكثر الجوانب حساسية تجاه أي تغيرات إقليمية أو دولية.

ولفت إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تناول هذا الملف بشكل تفصيلي في تقرير صدر في مايو 2024، موضحًا أن حجم الخسائر في قناة السويس وفقًا للتقرير تراوح بين 3 و7 و13 مليار دولار، وهو ما يعكس مدى حساسية هذا الممر الملاحي لأي اضطرابات إقليمية.

وانتقالًا إلى المؤشرات المالية الكلية، تابع أستاذ الاقتصاد بكلية السياسة والاقتصاد أن الهدنة الحالية بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، خاصة بعد صدور تقرير من مؤسسة "ستاندرد آند بورز" برفع التصنيف الائتماني لمصر إلى B مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما لم يحدث منذ فترة كبيرة، مشيرًا إلى أن مؤسسة "فيتش" ثبتت تصنيفها، مرجحًا أن تتبعها "موديز" خلال الفترة المقبلة نظرًا لقوتها وتأثيرها الواسع في الأسواق الدولية.

وأشار إلى أن الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر بدأ في الارتفاع واقترب حاليًا من 50 مليار دولار، كما شهد سعر صرف الجنيه المصري تحسنًا ملحوظًا، إذ بلغ نحو 47.8 جنيهًا للدولار، معتبرًا ذلك مؤشرًا إيجابيًا أوليًا على استقرار الاقتصاد.

وعلى ضوء هذه المؤشرات الإيجابية، استكمل الدكتور أحمد البكل حديثه موضحًا أن الأداء الاقتصادي العام لا ينفصل عن أداء القطاعات الأكثر تأثرًا بالأوضاع الإقليمية، مشيرًا إلى أن أكثر القطاعات حساسية تتمثل في إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة، إلى جانب المؤشرات الداخلية المتعلقة بمعدلات البطالة والتضخم، والتي تشكل جميعها نقاط ارتكاز لأي تغير اقتصادي قادم. وفي أثناء حديثه مع "عالم المال"، لفت إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تنعكس على هذه القنوات وتؤثر على الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.

سيناريوهات المشهد الاقتصادي بعد وقف إطلاق النار

وأوضح أن السيناريوهات المتعلقة بتأثير اتفاق وقف إطلاق النار تنقسم إلى ثلاثة مسارات: متفائل، ومتوسط، ومتشائم، قائلًا إن كل سيناريو يحمل انعكاسات مختلفة على السياحة وقناة السويس والتضخم، بالإضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي والبطالة.

وقال الدكتور أحمد البكل إن السيناريو المتفائل يعني تحقيق تعافٍ سريع يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 1% و2%، متابعًا أن ذلك يتماشى مع توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي قدرت معدل نمو الاقتصاد المصري عند 4.5% إلى 5%.

وأضاف أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرًا حتى تظهر نتائجه الفعلية على الإيرادات، خاصة مع تحسن حركة النقل وسلاسل الإمداد والتوريد في البحر الأحمر، مما يؤدي إلى انخفاض تكاليف الشحن والتأمين، متوقعًا أن تعوض مصر ما بين 70% إلى 90% من خسائر السياحة وقناة السويس خلال هذه الفترة.

وتابع أن السيناريو الثاني، وهو المتوسط، يشير إلى تعافٍ أبطأ في حال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار واستمراره، لكن مع وجود حالة من عدم الثقة بشأن مدى استقراره على المدى الطويل. وأفاد بأن هذا السيناريو سيؤدي إلى عودة جزئية للسياحة في ظل استمرار تجنب بعض السفن المرور عبر قناة السويس مؤقتًا، مشيرًا إلى أنه إذا كان متوسط عدد السفن المارة يوميًا يبلغ نحو 100 سفينة، فقد ينخفض إلى 50 سفينة فقط، متوقعًا أن تستغرق مصر نحو 12 إلى 24 شهرًا لتعويض 40% إلى 60% من خسائر السياحة وقناة السويس.

أما السيناريو المتشائم، فاعتبره مرتبطًا بهدنة هشة على الورق دون تنفيذ كامل لبنودها، وهو ما يفرض احتمالات اضطراب جديدة.

وأشار إلى أن التعافي في هذه الحالة سيكون بطيئًا جدًا ومتقطعًا، وقد تمتد الخسائر لأكثر من 24 شهرًا، مع تراجع عدد السفن المارة بقناة السويس بشكل أكبر، بما يحد من الإيرادات ويزيد فجوة الخسائر الاقتصادية، موضحًا أن نسبة تعويض الخسائر في هذا السيناريو لن تتجاوز 30% خلال هذه الفترة.

وانطلاقًا من هذه السيناريوهات الثلاثة، تناول الدكتور أحمد البكل انعكاسات اتفاق وقف إطلاق النار على أبرز القطاعات الاقتصادية في مصر، فأوضح أن إيرادات قناة السويس في السيناريو المتفائل ستشهد عودة تدريجية بإجمالي إيرادات إضافية تتراوح بين 1 و4 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل تعويض 80% من الفاقد خلال فترة الصراع، بينما في السيناريو المتشائم لن تتجاوز الزيادة 0.5 إلى 2 مليار دولار سنويًا، وهي زيادة محدودة للغاية.

وفيما يخص التضخم وسلاسل الإمداد، أشار إلى أن معدلات التضخم ستتراجع في السيناريو المتفائل مع عودة سلاسل الإمداد عبر قناة السويس إلى مسارها الطبيعي، بعد أن كانت السفن تسلك مسارات بديلة بتكلفة أعلى خلال فترة الصراع.

كما تطرق أستاذ الاقتصاد إلى نقطة تحويلات العاملين والاستثمارات الأجنبية، موضحًا أنها ستشهد تحسنًا متوسطًا خلال 12 إلى 24 شهرًا في حال تحقق السيناريو المتوسط، بينما سيتراجع هذا التحسن في السيناريو المتشائم.

أما فيما يخص ملف البطالة، فقال: "إن السيناريو المتفائل يتضمن انخفاض معدل البطالة بنسبة تتراوح بين 0.5% و1%، أما في السيناريو المتوسط فسيكون الانخفاض أقل من 0.5%، بينما قد ترتفع البطالة قليلًا في السيناريو المتشائم".

خطط ومقترحات داعمة للتعافي الاقتصادي

وانتقالًا إلى الحلول، شدد الدكتور أحمد البكل على ضرورة وضع خطط بديلة لمواجهة التحديات في كل سيناريو، موضحًا أنه في السيناريو المتفائل يجب استثمار الفرص وتسريع وتيرة التعافي، بينما يتطلب السيناريو المتوسط التعامل المرن مع العقبات المحتملة، أما السيناريو المتشائم فيستلزم إجراءات وقائية قوية تحسبًا لأي تدهور مفاجئ.

واقترح تنفيذ حملات ترويجية مكثفة خلال ستة أشهر، وتسهيل إجراءات التأشيرات، وتشجيع شركات الطيران على استعادة نشاطها، مع تقديم حوافز تشغيل للفنادق لتحقيق نسبة تعويض تتراوح بين 70% و90% خلال عام واحد. كما دعا إلى التعاون مع شركات النقل واللوجستيات العالمية لضمان سلامة المسارات البحرية، وتقديم تخفيضات ورسوم تشجيعية للسفن، إلى جانب خدمات إضافية مثل الصيانة والدعم اللوجستي، وذلك لدعم قناة السويس.

ولفت إلى نقطة أخرى تتعلق بأدوات التمويل وتعزيز الثقة الاستثمارية، مؤكدًا على أهمية الاعتماد على أدوات تمويل قصيرة الأجل والحصول على قروض ميسرة، مع التوسع في إصدار أذون الخزانة والسندات، مشيرًا إلى أن تحسن التصنيف الائتماني يعزز ثقة المستثمرين في أدوات الدين المحلية ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

واختتم أستاذ الاقتصاد بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة السويس حديثه بالتأكيد على أهمية إطلاق حملة إعلامية قوية لتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري واستغلال الزخم الإيجابي الحالي، مع إبراز الأمن والاستقرار في الممرات البحرية والسياحية.

ولفت إلى أن اتفاق شرم الشيخ واستضافة وفود ورؤساء دول يؤكدان قدرة الدولة على تأمين فعاليات دولية كبرى، وهو ما يمكن توظيفه في حملات تسويقية قوية لدعم تعافي الاقتصاد المصري.