في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لتعظيم إنتاجية الأراضي الزراعية وتحقيق الاستدامة في الزراعة المصرية، يبرز مبدأ الدورة الزراعية كإحدى الركائز الأساسية للحفاظ على خصوبة التربة ورفع إنتاجية المحاصيل.
ويؤكد الخبراء أن تكرار زراعة القمح في نفس الأرض دون تنويع أو تناوب مع محاصيل أخرى، قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، أبرزها تدهور خصوبة التربة وتراجع المحصول، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة الحاجة إلى المبيدات.
القمح "مستهلك شره" للعناصر الغذائية
ويوضح الدكتور محمد عابدين، الخبير بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية، أن القمح يعد من النباتات الشرهة في استهلاك العناصر الغذائية، وعندما يزرع مرارًا في نفس الأرض، فإنه يستنزف المغذيات نفسها عامًا بعد عام، مما يضعف التربة ويؤدي إلى انخفاض الإنتاجية تدريجيًا.
ويضيف أن استمرار زراعة القمح في التربة ذاتها يخلق بيئة مواتية لتكاثر الآفات والأمراض التي تهاجم المحصول، إذ تبقى المسببات المرضية في بقايا الجذور والتربة، لتنتقل إلى الموسم التالي، ما يستلزم استخدام كميات أكبر من المبيدات، ويرفع الكلفة الإنتاجية ويزيد من الضغط البيئي.
البرسيم.. شريك القمح في تحقيق الاستدامة
ويشدد الدكتور عابدين على أن تناوب القمح مع البرسيم أو أحد المحاصيل البقولية يمثل استراتيجية زراعية مثالية لإراحة الأرض واستعادة خصوبتها، فالبرسيم تحديدًا يعد "محصولًا مصلحًا للتربة"، لما يمتلكه من قدرة فريدة على تثبيت النيتروجين الجوي عبر العقد البكتيرية في جذوره، وتحويله إلى صورة يمكن للنباتات الأخرى الاستفادة منها.
كما أن بقايا جذور البرسيم بعد الحش تتحلل داخل التربة لتضيف إليها الدبال والمواد العضوية، مما يحسن من خواصها الفيزيائية ويرفع كفاءتها الإنتاجية، وتؤكد الدراسات بحسب عابدين أن زراعة القمح عقب البرسيم تزيد إنتاجية الفدان بنحو 2 إلى 4 أرادب مقارنة بالمزارع التي تزرع القمح بشكل متواصل دون تناوب.
فوائد اقتصادية وبيئية مزدوجة
لا يقتصر تأثير تناوب البرسيم مع القمح على تعزيز الإنتاج فقط، بل يمتد ليشمل خفض تكاليف الزراعة، فالبرسيم يعمل على تقليل نمو الحشائش العريضة، التي عادةً ما تُحش معه، مما يقلل من الحاجة إلى مكافحتها كيميائيًا، كذلك فإن الأسمدة الفوسفاتية التي أضيفت للبرسيم تغني المزارع عن إضافتها مرة أخرى عند زراعة القمح، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على خفض كلفة الأسمدة وتحسين هامش الربح للمزارع.
الفول البلدي.. بديل فعّال لكن بقدرة أقل
ومن جانبه، يرى الدكتور محمد عطية، أستاذ المحاصيل بمركز بحوث الصحراء، أن الفول البلدي يمكن أن يؤدي الغرض نفسه في تحسين خصوبة التربة إذا ما تمت زراعته قبل القمح، إذ يعمل هو الآخر على تثبيت النيتروجين في التربة ويُريح الأرض بعد موسم طويل من الزراعة.
لكن عطية يوضح أن البرسيم يتفوق من حيث قدرته على توفير كميات أكبر من النيتروجين مقارنة بالفول، مما يجعله الخيار الأفضل لمن يهدف إلى رفع إنتاجية القمح بشكل واضح في الموسم التالي.
التوقيت المثالي للزراعة بين القمح والبرسيم
وفيما يتعلق بكون القمح والبرسيم من المحاصيل الشتوية، يوضح عطية أنه لا يمكن عمليًا زراعة القمح بعد البرسيم إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون البرسيم من نوع "الفحل"، الذي يؤخذ منه حشة واحدة فقط بعد نحو 45 يومًا من زراعته، ثم يُتبع مباشرة بزراعة القمح.
أما في الحالات الأخرى، فيُنصح بتناوب القمح مع محاصيل بقولية صيفية مثل الفول السوداني أو فول الصويا أو لوبيا العلف ضمن الدورة الزراعية، وذلك لضمان راحة الأرض واستعادة توازنها الغذائي.
الدورة الزراعية.. طريق مصر نحو زراعة مستدامة
تؤكد هذه الدراسات والتجارب الميدانية أن التنوع في الزراعة وتطبيق الدورة الحقلية ليس ترفًا زراعيًا بل ضرورة لضمان استمرارية الإنتاج وحماية الأراضي من الإنهاك، فالزراعة ليست مجرد إنتاج موسم واحد، بل منظومة متكاملة تقوم على فهم التربة وإعادة تغذيتها بما تحتاجه من عناصر.
ويظل البرسيم بما يقدمه من خصوبة للتربة وغذاء للحيوانات ودعم مباشر لمحصول القمح أحد أهم أدوات الزراعة المستدامة في مصر، التي تراهن على العلم والممارسة الصحيحة لضمان أمنها الغذائي على المدى الطويل.