مع اقتراب انطلاق موسم زراعة القمح في مصر خلال أيام، كثفت الحكومة جهودها لتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة المحصول الاستراتيجي الأهم، عبر حزمة من التيسيرات والدعم الفني والمالي، في محاولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص فجوة الاستيراد.
وتأتي هذه التحركات في ظل توجه الدولة لزيادة الاكتفاء الذاتي من القمح، خاصة مع التقلبات الطاحنة التي تشهدها الأسواق العالمية منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الزراعة، عن مجموعة من التسهيلات الموجهة للمزارعين قبل بدء موسم الزراعة، مؤكدة توفير كميات كافية من التقاوي المعتمدة عالية الجودة، وذات إنتاجية مرتفعة ومقاومة للأمراض، على أن يتم توزيعها للمزارعين في التوقيتات المقررة وبأسعار مناسبة، كما شملت التيسيرات نشر الخريطة الصنفية للمحصول وتكثيف حملات الإرشاد والتوعية بشأنها، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالسياسة الصنفية التي سبق الإعلان عنها، بحيث تتم زراعة الأصناف الأنسب لكل منطقة وفق نوع التربة والظروف المناخية، بما يضمن تعظيم الإنتاجية لكل فدان.
ويرى خيري حامد العشماوي، أستاذ الاقتصاد الزراعي بـ«المركز القومي للبحوث»، أن هذه التيسيرات الحكومية تمثل خطوة إيجابية نحو رفع إنتاج القمح، موضحًا أن رفع سعر توريد إردب القمح يعد أحد أهم القرارات التي تشجع الفلاحين على التوسع في زراعته، وبالتالي زيادة الإنتاجية في الموسم الجديد.
ولفت العشماوي إلى أن رفع السعر وحده لن يكون كافيًا لحل التحديات القائمة على أرض الواقع، إذ إن تكلفة الإنتاج الزراعي ارتفعت بشكل ملحوظ، ما يجعل الكثير من المزارعين غير قادرين على شراء التقاوي عالية الجودة التي توفرها وزارة الزراعة، فيلجأ بعضهم إلى استخدام تقاوي مخزنة من مواسم سابقة، رغم انخفاض إنتاجيتها مقارنة بالأصناف المعتمدة.
ويضيف أن منظومة التوريد ما زالت بحاجة إلى معالجة بعض العقبات، مشيرًا إلى أن عددًا من المزارعين لا يتمكنون من توريد المحصول مباشرة إلى الشون الحكومية، ويضطرون إلى البيع عبر تجار وسطاء يقتطعون جزءًا من قيمة الإردب، مما يقلل عائد الفلاح ويضعف الحافز لديه للتوسع في زراعة القمح.
وفي مقابل هذه التحديات، تؤكد الدولة استمرار تنفيذ استراتيجية التوسع في زراعة القمح لرفع معدلات الاكتفاء الذاتي، إذ صرح وزير الزراعة مطلع الشهر الماضى، أن مصر تسعى للوصول بنسبة الاكتفاء من القمح إلى 70% خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن الإنتاج المحلي يبلغ حاليًا نحو 10 ملايين طن سنويًا، مع العمل على زيادته عبر التوسع الأفقي والرأسي في الزراعة وتطوير منظومة التقاوي.
وفي ظل التداعيات العالمية التي عصفت بسلاسل الإمداد الغذائية خلال السنوات الأخيرة، اتجهت مصر بالتوازي إلى التوسع في المشروع القومي للصوامع، لتأمين مخزون استراتيجي آمن من الحبوب، وفي مقدمتها القمح، وتقليل الفاقد أثناء التخزين والنقل، بما يدعم استقرار السوق المحلي ويحميها من اضطرابات التجارة الدولية.
ومع بدء موسم الزراعة الجديد، يرى الخبراء أن نجاح هذه التيسيرات الحكومية مرهون بتطبيق عملي فعال على الأرض، وإزالة العقبات التي تعيق استفادة المزارعين منها، بما يضمن تحقيق مستهدفات الدولة في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي المصري.