في الوقت الذي تسعى فيه البورصة المصرية إلى تعزيز جاذبيتها للمستثمرين المحليين والأجانب، تبرز أزمة "الأسهم محدودة السيولة" كأحد التحديات الصامتة التي تقوض كفاءة السوق وعدالته. فبينما تشهد مؤشرات التداول ارتفاعات متباينة، يظل جزء كبير من الأسهم المدرجة يعاني من ضعف شديد في التداولات اليومية، إلى درجة تجعل أسعارها تتحرك دون انعكاس حقيقي لقيمتها السوقية أو لأداء شركاتها الفعلي.
هذه الأسهم، التي تعرف بأنها تلك التي لا تشهد تعاملات منتظمة أو كميات تداول مؤثرة، تمثل عبئا على السوق وعلى المستثمرين معا، إذ تخلق بيئة خصبة للتلاعبات السعرية وتفتقر إلى الشفافية في تحديد قيمتها العادلة. كما أن ضعف السيولة يجعل من الصعب على المستثمرين الدخول أو الخروج من تلك الأسهم دون خسائر، مما يضعف ثقتهم في السوق ككل.
ومع سعي الجهات الرقابية لتفعيل آليات مثل صانع السوق وإطلاق سوق المشتقات المالية لتحسين كفاءة التداول، تظل الأسئلة قائمة: من المستفيد من بقاء هذه الأسهم على الهامش؟ ولماذا تفشل محاولات تحريك سيولتها؟ وهل تكفي الإجراءات التنظيمية الحالية لإعادة الحياة إلى هذه المنطقة الميتة من السوق؟
قال صفوت عبد النعيم، خبير أسواق المال، إن سوق التداول في البورصة المصرية شهد نشاطا ملحوظا خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة تطور أداء الشركات تحت مظلة اقتصاد مستقر، وسياسات نقدية توسعية من قبل البنك المركزي، وانخفاض معدلات التضخم، وتحرير سعر الصرف واستقراره في سوق واحد هو السوق المصرفي فقط، إلى جانب الترويج الجيد للاستثمار المباشر وغير المباشر.
كل هذه العوامل كانت سببا في تضاعف أحجام التداول بالبورصة المصرية، وبرز ذلك في ارتفاع متوسط حجم التداول اليومي من مليار جنيه إلى 5 مليارات جنيه.
لكننا لم نشهد أي تطوير في بعض لوائح سوق المال أو معالجة للثغرات الإجرائية التي يستغلها بعض المستثمرين المحليين في تقييد حرية التداول، أو في المضاربات الخطرة أو الممنهجة من قبل بعضهم، الذين يمتلكون القدرة على الاستحواذ على جزء كبير من نسبة التداول الحر على الشاشة، ليس بغرض الاستثمار المباشر في الشركة المصدرة، ولكن بغرض تعظيم سعر السهم لعدة جلسات بخلق طلبات وهمية في بعض الأحيان، أو مشتريات فعلية ممنهجة بالتشارك مع آخرين حتى يصل السهم إلى مستوى معين، ثم بعد تشبع الشراء واستقطاب مستثمرين مغامرين أو غير واعين بالحالة، تبدأ الطلبات في الاختفاء مع زيادة المعروض من المضارب الأصلي، فيتعرض هؤلاء المستثمرون لخسائر غير محسوبة.
وغالبا ما يكون الرابح الأكبر الوحيد هو المضارب الأصلي الذي لا تربطه علاقة حقيقية بالشركة المصدرة، أو أحيانا يكون من ذوي العلاقة المرتبطة بها.
وأوضح أن الهيئة العامة للرقابة المالية تتبع أفضل أساليب الحوكمة في إجراءات الإدراج بالبورصة والتداول اليومي، لكنها ما زالت تعمل وفق القواعد القديمة في اللائحة التنفيذية، التي تفرض حدا أدنى لنسبة التداول الحر لا تقل عن 15% من عدد الأسهم المصدرة. وما زالت العديد من الشركات تكتفي بهذه النسبة دون زيادة، رغم تطور أدائها عبر السنوات، وهي الشركات التي يمكن أن يستغلها المضاربون المؤقتون في التلاعب بسعر السهم بعيدا عن نتائج أعمال الشركة.
وأضاف أن أغلب تلك الشركات، للأسف، هي شركات حكومية تابعة لقطاع الأعمال العام، اكتفت الحكومات السابقة والحالية بطرح نحو 20% من أسهمها فقط دون زيادة أو تطوير، وليس المقصود هنا زيادة رأس المال، بل طرح بيع من حصة الحكومة في اكتتاب جديد، مما يساعد في تسريع برنامج الطروحات وعدم اقتصاره على طرح شركات جديدة فقط، وغالبا ما تكون النسبة المطروحة 20% أيضا، الأمر الذي يزيد من تراكم الأسهم المضاربية.
وأشار إلى أن المطلوب لزيادة نسبة التداول الحر هو تعديل الحد الأدنى ليكون لا يقل عن 30% ويزيد إلى 40% للشركات القائمة خلال جدول زمني محدد.
وأوضح أن من نتائج ذلك ما يلي:
* زيادة عدد الأسهم الحرة في السوق.
* استقطاب جزء كبير من السيولة خارج السوق إلى داخله.
* جذب مستثمرين أجانب وعرب لهذه الأسهم نتيجة تحرير الطلب والعرض وزيادة الثقة.
* دفع الحكومة للاستفادة القصوى من برامج الطروحات والتخارج الآمن من قطاع الأعمال.
* زيادة الموارد النقدية للدولة.
* الحد من المضاربات الوقتية.
* توحيد دوافع الطلب على الأسهم بناء على نتائج أعمال الشركات وأخبارها المالية، مما ينعكس إيجابيا على حركة السهم الفنية.
* تضاعف أحجام التداول اليومية لتقترب من أحجام الأسواق المجاورة.
وقال الدكتور محمد عبد الهادي، خبير أسواق المال، إن من قواعد القيد في البورصة المصرية أنه يمكن شطب الشركة من سوق الأوراق المالية في حالة انخفاض قيم التداول، بمعنى أنه إذا لم تتحقق نسب تداول كافية خلال ستة أشهر، فقد تطلب البورصة من الشركة شطب أسهمها إجباريا.
وأوضح أن القاعدة العامة تنص على أن تكون نسب التداول الحر في البورصة لا تقل عن 10% من إجمالي الأسهم، أو أن تكون قيمتها السوقية لا تقل عن 20 مليون جنيه، وإذا لم يتحقق ذلك تنذر الشركة، ثم يتخذ إجراء الشطب.
وأضاف أنه إذا قل عدد المساهمين المتداولين عن 300 مساهم، تنذر البورصة الشركة، ثم تبدأ في عملية الشطب الإجباري، وتعرض الشركة على الهيئة العامة للرقابة المالية لاتخاذ القرار النهائي في حال انخفاض قيم التداول أو عدد المساهمين، أو عدم التزام الشركة بالإفصاحات أو القوائم المالية، ليتم تحويلها إلى سوق خارج المقصورة، حيث تتداول بشكل محدود وفي أوقات تداول محددة خلال الجلسات الأسبوعية.
وأكد أن هناك جهتين تتابعان الشركات محدودة التنفيذ في سوق البورصة المصرية، هما البورصة المصرية نفسها، التي تقوم بالرقابة على التداولات والمتابعة المستمرة للشركات ذات الكميات المنخفضة، والهيئة العامة للرقابة المالية التي تصدر الإنذارات وتتخذ قرارات الشطب حال عدم الاستجابة.
وختم عبد الهادي حديثه بالتأكيد على أن هذه الإجراءات التي تتخذها البورصة والهيئة تأتي لضمان عدالة تنفيذ التداولات بين جميع الشركات، لأن الشركات ذات الكميات المنخفضة تكون أكثر عرضة للتلاعب، ولذلك تبذل الجهود المستمرة للحفاظ على جاذبية سوق الأوراق المالية وعدم تراجع قيم التداول فيه.