لم تعد الزراعة المصرية ذلك النشاط التقليدي الذي يعتمد على خبرة المزارع الفطرية وحدها، ولا العمل اليدوي الممتد عبر أجيال الذي يشكل ملامح الريف المصرى، لكن اليوم حدث تغير كبير فى ملامح الخريطة الزراعية وأصبح التحديث الزراعي مشروعًا وطنيًا يفتح أبوابًا واسعة أمام التكنولوجيا والبيانات والابتكار.
وفي الوقت الذي تضغط فيه التغيرات المناخية على الموارد، ويزداد الطلب على الغذاء الآمن والمستدام، تظهر موجة جديدة من التحول تضع المزارع في قلب المعادلة، وتمنحه أدوات تعزز دوره، وفى هذا السياق أكد الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مُساعد بكلية الزراعة جامعة بنها ورئيس لجنة الزراعة والري بحزب الوعي، أن مستقبل الزراعة في مصر لم يعد قائمًا على الأساليب التقليدية فقط، بل على مزيج دقيق يجمع بين تراكم الخبرات القديمة وتقدم العلوم الحديثة، مشيرًا إلى أن التحول نحو الزراعة الذكية لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، وإنما ضرورة فرضتها التغيرات المناخية وتحديات تأمين الغذاء.
ويشرح أن أبرز ما يميز المشهد الزراعي اليوم هو قدرة المزارع على متابعة أرضه لحظة بلحظة من خلال تقنيات بسيطة لكنها عالية التأثير، مثل الحساسات التي تقيس مستويات رطوبة التربة بدقة، وأنظمة الري التي تعمل وفق حسابات دقيقة بدل الطرق العشوائية القديمة، هذه الأدوات، كما يقول، قلّصت بشكل كبير من الهدر في المياه، وزادت جودة المحصول بطريقة ملموسة.
ويضيف إمبابي أن التجارب الميدانية أثبتت أن إدخال التكنولوجيا لا يلغي دور المزارع كما يظن البعض، بل يعززه ويوسّع مساحة قراره، فالمزارع اليوم يستطيع، عبر أدوات مراقبة وتحليل متقدمة، اتخاذ قرار سريع وصحيح في الوقت المناسب، ويشير إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة في متابعة نمو المحاصيل، وتحليل الصور الحرارية، ورصد البقع المصابة قبل تفاقمها، أصبح يختصر شهورًا من الجهد، ويقلل الاعتماد على المبيدات بنسب غير مسبوقة، وهو ما ينعكس إيجابًا على صحة المستهلك ويخفّض التكلفة على المنتج.
ويلفت إلى أن الأراضي الجديدة تحديدًا هي الأكثر استفادة من هذه التحولات، لأنها تعتمد بطبيعتها على نظم الري الحديثة، وتحتاج إلى دقة عالية في إدارة عناصر التسميد والاحتياجات الغذائية للنبات، ويشرح أن شبكات الري بالتنقيط والرش لم تعد مجرد أدوات، بل تحولت إلى منظومات متكاملة تعمل وفق برامج علمية، تضمن وصول الماء والغذاء لكل جزء من النبات بالكمية المناسبة وفي التوقيت الأمثل، وتساعد هذه المنظومات، وفقًا له، على رفع إنتاجية الفدان وتعزيز الاستدامة في الإنتاج بما يتماشى مع خطط الدولة طويلة المدى.
كما يشير إمبابي إلى أن أحد أهم المكاسب التي حققها هذا التطور هو قدرته على جذب الشباب من جديد إلى القطاع الزراعي، بعدما كانت الزراعة تُعرَف بكونها مهنة شاقة وغير مستقرة الدخل، ومع دخول التطبيقات الذكية وأجهزة القياس المحمولة والتعامل مع البيانات، أصبحت الزراعة اليوم مجالًا عصريًا يحتوي على فرص واسعة للعمل والابتكار، ويضيف أن حماس الشباب وقدرتهم على التعامل السريع مع التكنولوجيا يجعلان مشاركتهم في هذه النقلة قوة دفع حقيقية تعيد تشكيل صورة القطاع.
ويختتم بالتأكيد على أن هذا التحول الزراعي الذكي لا يمثل مجرد خطوة تقنية، بل هو مشروع وطني يهدف إلى حماية الموارد الطبيعية، ورفع مستوى الإنتاج، وتحسين معيشة المزارعين، وتوفير غذاء آمن ومستدام للأجيال القادمة، ويشدد على أن نجاح هذا التحول يعتمد على استمرار التدريب، وتوفير الدعم للمزارعين، وتوسيع نطاق التجارب الناجحة لتشمل كل المحافظات، حتى تصبح الزراعة الحديثة هي القاعدة وليس الاستثناء.