قالت دراسة حديثة، حصلت "عالم المال" على نسخة منها، إن التحول نحو الطاقة النظيفة في مصر لن يتحقق بالتوربينات والألواح الشمسية وحدها، بل بتحرير الأسواق وبناء ثقة المستثمرين وتماسك السياسات، مشيرة إلى أن الابتكار المالي "مفتاح أساسي" لنجاح تلك الإستراتيجيات.
وأوصت الدراسة بضرورة تبسيط إجراءات التراخيص وتوفير ضمانات قانونية لاتفاقيات شراء الطاقة ووضوح هيكل التعريفات والتنسيق المؤسسي القوي، خاصة بين وزارات المالية والبيئة والكهرباء، لجذب رؤوس الأموال طويلة الأجل، كما أوصت بضرورة معالجة العقبات عبر الاستثمار في بناء القدرات المؤسسية، من خلال تدريب الكوادر التنظيمية وتفعيل القضاء في تنفيذ العقود وإنشاء آليات فعالة لتسوية النزاعات.
عقب نشره دراسته التي حملت عنوان "رأس المال الخاص والابتكار المالي في التحول إلى الطاقة النظيفة في مصر"، تواصلت "عالم المال" عبر البريد الإلكتروني مع الدكتور كمران ييجانِجي، أستاذ الهندسة الصناعية بجامعة آزاد، لاستطلاع رأيه في الزوايا التي تناولتها الدراسة.

قال ييجانِجي إن تجربة مجمع بنبان للطاقة الشمسية -أكبر محطة للطاقة الكهروضوئية في أفريقيا- دليل عملي على قدرة مصر على جذب الاستثمارات الأجنبية وتنفيذ مشروعات معقدة تجمع بين الجدوى الاقتصادية والالتزامات البيئية، مضيفًا أن "المرحلة التالية من التحول الأخضر تحتاج أدوات مالية أكثر تنوعًا وسياسات أكثر تنسيقًا بين مؤسسات الدولة".
وأشار الباحث إلى أن التحول في قطاع الطاقة لن يُحسم بالتوربينات والألواح الشمسية وحدها، وإنما بإطلاق العنان لابتكار الأسواق وتعزيز ثقة المستثمرين وضمان استقرار السياسات المالية والتنظيمية، على حد وصفه، معتبرًا الابتكار المالي مفتاح حقيقي لنجاح التحول الأخضر في مصر.
ما بعد "بنبان".. التمويل تحدٍ أكبر
ويرى ييجانِجي أن النجاح في تنفيذ مشروع بنبان لا يكفي لتكرار التجربة مستقبلًا دون تأسيس بنية تمويلية قوية تقلل من المخاطر وتؤمّن التزامات طويلة الأجل، مشيرًا إلى أن الميزانية العامة للدولة لن تكفي لتغطية التكلفة المطلوبة لتحقيق أهداف الطاقة النظيفة حتى 2040، المقدرة بنحو 40 إلى 50 مليار دولار، مؤكدًا أن سد تلك الفجوة يتطلب تعبئة رأس المال الخاص عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص وسندات خضراء وإستراتيجيات تمويل ممزوجة تجمع بين التمويل الميسر والاستثمار التجاري.
وأوضح أن المستثمرين المحليين والدوليين يواجهون عقبات هيكلية، أبرزها تقلبات سعر الصرف ومخاطر تحويل الأرباح، إلى جانب تعقيد إجراءات الشراء الحكومية، وغموض الأطر التنظيمية، وضعف أسواق المال المحلية.
ويرى أن تجاوز تلك العوائق يحتاج استثمارًا في بناء القدرات المؤسسية وتدريب الكوادر التنظيمية وإنشاء آليات فعالة لتسوية المنازعات، داعيًا إلى إنشاء صندوق سيادي أخضر مدعوم من مؤسسات التمويل الدولية، ليكون حجر الزاوية في تمويل مشروعات الطاقة المتجددة متوسطة الحجم، خاصة في المحافظات الأقل نموًا.
وأوضح ييجانِجي ضرورة تجاوز أدوات التمويل في مصر القروض التقليدية، لتشمل سندات خضراء وصكوكًا متوافقة مع الشريعة، وتمويلًا قائمًا على النتائج، وأسواق كربون طوعية، تتيح للبلاد تنويع مصادر الدخل وتشجيع المطورين على الاستثمار في مشروعات نظيفة.
التمويل التنموي.. قاطرة الابتكار
وأضاف أن مؤسسات مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، ومؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وبنك التنمية الأفريقي (AfDB) ذات دور كبير في دعم تحول الطاقة بمصر، داعيًا إلى تطوير ذلك الدعم ليشمل ضمانات للمشروعات عالية المخاطر، وتعزيز الائتمان المحلي، والمساعدة الفنية للمطورين بما يتوافق والمعايير الدولية.
وذكر أن سياسة الاستثمار بمصر في جوهرها سياسة مناخية، موضحًا أن نجاح جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل يتطلب "إجراءات تراخيص أكثر انسيابية، وضمانات قابلة للتنفيذ لاتفاقيات شراء الطاقة، ووضوحًا في التعريفات، وتنسيقًا مؤسسيًا قويًا بين وزارات المالية والبيئة والكهرباء".
وأكد أن تحول مصر نحو الطاقة النظيفة لن يتحقق بالألواح والتوربينات فقط، بل بتحرير طاقات السوق، وثقة المستثمرين، وتكامل السياسات الحكومية"، مشيرًا إلى أن الابتكار المالي لم يعد تفصيلًا هامشيًا، بل أصبح العنوان الرئيس في قصة التحول الأخضر.