خبراء: الحقل الأردني يغيّر معادلة توريد الغاز في المنطقة
أسامة كمال: الاكتشاف الجديد ينشط عمليات النقل وتبادل الغاز عربيا
شيرين نوار
أعاد اكتشاف حقل الريشة الضخم في الأردن الحديث مجددًا حول خط الغاز العربي، خاصة أن هذا الحقل سيجعل من الأردن دولة مصدّرة للغاز، بدلًا من الاستيراد، إذ يحتوي على احتياطيات تكفي لما يقرب من ستة عقود قادمة.
ويحيي الاكتشاف الأردني مشروع خط الغاز العربي، الذي بدأت فكرته عام 2001 بين مصر والأردن، وتم تنفيذ مراحله الأربع بين عامي 2003 و2009. بدأت المرحلة الأولى من العريش في مصر إلى العقبة بالأردن عام 2003، وتبعتها مراحل أخرى داخل الأردن.
وشملت المرحلة الرابعة الشبكة المقترحة لتمديد الخط من حمص إلى دير عمار في لبنان، ومن حمص إلى حلب، ثم إلى كلس في تركيا. وقد واجه المشروع عدة عقبات، أبرزها مشكلات التمويل والظروف السياسية في لبنان، رغم الجهود الجدية التي بذلتها الأطراف المعنية للبدء في تشغيله.
ويقول المهندس مصطفى الشربيني، خبير الطاقة، إن خط الغاز العربي من المشروعات الحيوية في الشرق الأوسط، إذ يمتد خط الأنابيب من مصر إلى الأردن وسوريا ولبنان، بإجمالي طول يبلغ نحو 1200 كيلومتر، وبتكلفة تقدّر بـ1.2 مليار دولار، وبسعة نقل تصل إلى 10.3 مليارات متر مكعب سنويًا.
وأوضح الشربيني أن المشروع أُنشئ على أربع مراحل رئيسية: بدأت المرحلة الأولى من العريش إلى العقبة عام 2003، وشملت خط أنابيب العريش–طابا البري وخط أنابيب طابا–العقبة البحري. أما المرحلة الثانية داخل الحدود الأردنية فبدأت عام 2005 من العقبة إلى رحاب، ثم عام 2007 من رحاب إلى جابر. وتلتها المرحلة الثالثة من جابر إلى حمص في سوريا عام 2008، فيما تضمنت المرحلة الرابعة الشبكة المقترحة الممتدة من حمص إلى دير عمار في لبنان، ومن حمص إلى حلب ثم كلس في تركيا.
وأضاف أن تشغيل قطاع حمص طرابلس بدأ في عام 2009، في حين أُنشئ قطاع حلب–كلس عام 2011 بهدف استيراد الغاز التركي إلى سوريا، إلا أن هذا القطاع تعرض لأضرار حالت دون تشغيله كما كان متوقعًا، لكنه جُدد في عام 2025 وتم ربطه بشبكة تركيا لتشكيل خط أنابيب الغاز الطبيعي التركي–السوري.
وأشار الشربيني إلى أن إمدادات الغاز من مصر شهدت عدم استقرار على مر السنوات، حيث واجهت بعض القطاعات تعطلًا أو عجزًا منذ إنشائها. ومع حلول عام 2025 بدأت بعض القطاعات، من العريش إلى طابا ومن طابا إلى العقبة، ومن العقبة إلى رحاب، ومن رحاب إلى جابر، وجزء من خط الأنابيب من جابر إلى حمص، تعمل بقدرات إنتاجية معينة رغم ضعف الاستغلال. أما قطاع حمص دير عمار فتوقف منذ عام 2011 بسبب الاضطرابات السياسية في سوريا، رغم محاولات إعادته إلى الخدمة عام 2021 دون نجاح.
وأوضح أنه في عام 2021 تم التوصل إلى اتفاق بين مصر والأردن وسوريا ولبنان لاستئناف ضخ الغاز إلى لبنان، بشرط موافقة الولايات المتحدة على ألا يخالف الاتفاق عقوباتها المفروضة على سوريا آنذاك. وفي عام 2022 وُقع اتفاق آخر لنقل 650 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا، بما يضيف 450 ميغاواط إلى شبكة الكهرباء اللبنانية ويوفر أربع ساعات إضافية من الكهرباء يوميًا، إلا أن الاتفاق لم يُنفذ فعليًا.
وأكد الشربيني أن آخر تطورات المشروع تتمثل في الاستعداد لتصدير الغاز إلى لبنان بنهاية العام الجاري بعد رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، فضلًا عن استخدام الخط لنقل الغاز القطري إلى سوريا عبر الأردن، في وقت تواصل فيه دمشق جهودها لإصلاح وتأهيل ما تبقى من أجزاء الخط واستئناف ربط شبكات الطاقة الكهربائية مع الأردن ولبنان.
في الوقت نفسه قال الدكتور أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، وخبير الطاقة، إن عودة نشاط خط الغاز العربي، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي بين الدول العربية، تمثل عنصر الأمان لتأمين احتياجات المنطقة من الطاقة، خصوصًا لمصر ولبنان والأردن وسوريا وليبيا.
وأشار كمال إلى أن رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا خلال عهد الرئيس بشار الأسد، والتي كانت تحظر الاستثمار في البنية التحتية وتعرقل الدول المشاركة في تلك المشروعات، يمهد الطريق أمام تصدير الغاز المصري إلى لبنان عبر الخط العربي مرورًا بسوريا، مما أزال العقبة الأخيرة التي كانت تعرقل التنفيذ.
وأكد أن مصر تستعد حاليًا لتصدير 650 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا إلى لبنان عبر هذا الخط، بعد استكمال الإجراءات المالية والفنية اللازمة لبدء التصدير.
وأضاف كمال أن خط الغاز العربي من أهم المشروعات التي يجب إعادة تفعيلها لتعزيز التعاون بين مصر وسوريا ولبنان والأردن في مجال إمدادات الغاز، مشيرًا إلى أن هذا المشروع يعد الملاذ الآمن لتأمين احتياجات المنطقة من الطاقة، كما يسهم في تغيير معادلات توريد الغاز بالمنطقة عبر خط أُنشئ قبل عقدين لنقل فائض الغاز من الدول المنتجة إلى الدول المستوردة مثل الأردن ولبنان.
ولفت إلى أن اكتشاف حقل الريشة الضخم في الأردن أعاد الأمل في إحياء هذا الخط بعد سنوات من الجمود، حيث جاء الاكتشاف في وقت تعاني فيه مصر ولبنان من أزمات طاقة حادة، وسيؤدي ربط الحقل بالخط إلى تنشيط عمليات النقل وتبادل الغاز بين الدول العربية.
واختتم كمال بالقول إن مصر ستكون المستفيد الأكبر من إعادة تشغيل الخط حتى عام 2035، بفضل امتلاكها حقل ظهر الذي يعمل بكفاءة عالية منذ سنوات، موضحًا أن كلًا من مصر والأردن تأثرتا بتداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة واضطراب إمدادات الغاز الإسرائيلي، مما تسبب في أزمة كهرباء حادة استمرت شهورًا، مؤكدًا أن عودة خط الغاز العربي تمثل الضمان الحقيقي لمنع تكرار تلك الأزمة مستقبلًا.