شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في الاستثمار الزراعي، ما جعل هذا القطاع يتحول إلى قاطرة حقيقية للنمو الاقتصادي، بعدما تمكن من تعزيز الإنتاج وتطوير سلاسل القيمة ورفع قدرته التصديرية بشكل غير مسبوق، ولم يعد القطاع الزراعي مجرد نشاط تقليدي يوفر الغذاء وفرص العمل، بل أصبح مجالًا استثماريًا واسعًا يسهم في تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، ويظهر هذا النمو المتسارع حالة من التعافي الاقتصادي المدعوم بتوسع الإنتاج المحلي وتراجع الاعتماد على الواردات، بما يعزز قدرة مصر على الصمود أمام التحديات الإقليمية والدولية.
وسجل القطاع الزراعي للعام المالي 2023/2024 نموًا لافتًا في الدخل والإنتاج، إذ ارتفع صافي قيمة الدخل الزراعي ليبلغ 1416.9 مليار جنيه مقابل 1088.5 مليار جنيه في العام السابق، وهو ما يعكس زيادة بنسبة 30.2%، فيما ارتفعت قيمة الإنتاج الزراعي إلى 2302.5 مليار جنيه مقارنة بنحو 1797 مليار جنيه في العام المالي السابق، بنسبة نمو وصلت إلى 28.1%.
ويكشف هذا الارتفاع عن توسع واضح في النشاط الزراعي وتحسن كفاءة منظومة الإنتاج، حيث يمثل الإنتاج النباتي أكثر من نصف إجمالي الإنتاج، يليه الإنتاج الحيواني ثم السمكي فالمنتجات الحشرية التي تظل في هامش بسيط من إجمالي الناتج.
وتزامن هذا النمو مع ارتفاع قيمة مستلزمات الإنتاج الزراعي التي بلغت 885.6 مليار جنيه مقارنة بـ708.5 مليار جنيه في العام السابق، وهو ارتفاع طبيعي نتيجة توسع النشاط الإنتاجي وارتفاع الطلب على المدخلات الزراعية، وتعكس هذه الزيادة اتساع رقعة الإنتاج الحيواني والنباتي والسمكي، بما يؤكد أن القطاع يشهد نشاطًا متوازنًا يشمل مختلف فروعه.
وفي سياق مواز، كشفتها وزارة الزراعة عن طفرة غير مسبوقة في الصادرات الزراعية المصرية التي وصلت حتى الآن إلى نحو 8.5 مليون طن، بزيادة تقترب من 700 ألف طن عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وتصدرت الموالح قائمة الصادرات بلا منازع بكمية تتجاوز مليوني طن، تلتها البطاطس الطازجة التي سجلت نحو 1.3 مليون طن، ثم البطاطا التي واصلت تقدمها في الأسواق العالمية بإجمالي بلغ 310 آلاف طن، بينما حققت الفاصوليا الطازجة والجافة نحو 300 ألف طن، وجاء البصل الطازج في مرتبة متقدمة بكمية بلغت 277 ألف طن، إلى جانب تقدم ملحوظ في صادرات العنب والرمان والمانجو والطماطم والثوم والفراولة والجوافة.
وتكشف هذه المؤشرات جميعها عن مسار واضح يؤكد أن الاستثمار الزراعي أصبح أحد أهم محركات النمو في الاقتصاد المصري، بعدما استطاع رفع حجم الإنتاج وزيادة الصادرات وتحسين ميزان التجارة الخارجية وتعزيز قدرة الدولة على تحقيق مستويات أعلى من الأمن الغذائي، كما يعكس كفاءة التخطيط الحكومي والتوجه نحو تعزيز الصناعات الغذائية والتوسع الأفقي في الرقعة الزراعية، بما يمهد لتحقيق قفزات أكبر في السنوات المقبلة.
وامتدت مؤشرات النمو إلى الاقتصاد الكلي، حيث أوضح الدكتور جمال أبو الفتوح، عضو مجلس الشيوخ، أن الاقتصاد المصري شهد خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 معدلات تعافى واضحة انعكست في ارتفاع الصادرات بنسبة 19%، إذ سجلت نحو 40.614 مليار دولار مقارنة بـ34.148 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2024، وهو ما يعادل زيادة قدرها 6.466 مليار دولار، وهي طفرة تفوق متوسط نمو الصادرات في الأسواق الناشئة.
ويرجع هذا الأداء المتقدم إلى اتساع القاعدة الإنتاجية وتشغيل العديد من المصانع بكامل طاقتها الإنتاجية، إلى جانب دخول صناعات جديدة ذات قيمة مضافة أعلى تسهم في رفع القدرة التنافسية للمنتج المصري.
وأشار أبو الفتوح إلى أن الصادرات الزراعية وحدها تجاوزت هذا العام 7.5 مليون طن لأول مرة، مدفوعة بزيادة الطلب العالمي على الحمضيات والبطاطس والبصل والرمان والفراولة، مؤكدًا أن القطاع الزراعي قادر على مضاعفة صادراته خلال السنوات المقبلة إذا تم التوسع في محطات الفرز والتعبئة وزيادة السعة التخزينية وتحسين منظومة النقل المبرد، وهي عناصر أساسية لضمان استدامة جودة المنتج المصري حتى وصوله إلى الأسواق الخارجية.
وأكد أن تراجع فاتورة الاستيراد لعب دورًا محوريًا في تعزيز استقرار الأسواق وحماية قيمة الجنيه، حيث أسهمت زيادة نسب المكون المحلي في الصناعات المختلفة التي تراوحت بين 55 و70% في تخفيض الاعتماد على الخامات المستوردة، وهو ما انعكس مباشرة على توازن العرض والطلب في السوق المحلي وأدى إلى استقرار نسبي في الأسعار، إضافة إلى توفير ملايين الدولارات التي كانت تُنفق على الاستيراد دون حاجة.