• الضبعة ستوفر لمصر 7.7 مليار متر مكعب من الغاز سنويا ما يعادل حتى 3 مليارات دولار
• محطة الضبعة ستعزز استقرار الشبكة، وتخفض الانبعاثات، وترفع قدرة مصر على دمج الطاقة المتجددة
• توفير روساتوم للوقود والتدريب لمدة 10 سنوات يمنح مصر وقت كافى لبناء خبرة تشغيلية مستقلة
• المشروع النووي خطوة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز المحلي والمستورد"
"محطة الضبعة النووية" .. أهم المشروعات الاستراتيجية التي تنفذها مصر في الوقت الراهن، نظرا لدورها المحوري في تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الإنتاج الكهربائي ومع وصول المشروع إلى مرحلة تركيب وحدة ضغط المفاعل الأولى، تتزايد أهمية الوقوف على الدلالات الفنية والاقتصادية لهذه الخطوة، وتأثيراتها المباشرة على مستقبل الطاقة في مصر.
لهذا كشف المهندس محمد عطية، الباحث والخبير المتخصص في شؤون الطاقة، عن أهم ملامح التقدم في المشروع النووي، والوفورات المتوقعة من الغاز، وانعكاسات العقد المبرم مع شركة «روساتوم»، إضافة إلى الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية التي تعززها المنطقة الصناعية الروسية في مصر، ودورها في دعم الأمن الطاقي للدولة
وإلى نص الحوار
• ما هي الدلالات التقنية والاقتصادية لوصول مشروع الضبعة النووي إلى مرحلة تركيب وحدة ضغط المفاعل الأولى؟
قبل الحديث عن الدلالات الفنية، يجب التأكيد على أن مشروع الضبعة يعد من أهم مشروعات الطاقة فهو لا يستهدف فقط لتحقيق الاستقرار في ملف الطاقة ودعم قدرات الدولة، بل إلى تنويع مصادر الطاقة
فوجود أكثر من مصدر يضمن عدم التأثر في حال حدوث أي تغيرات تتعلق باستيراد الغاز أو أي مصدر آخر للطاقة، خاصة وأن جزءًا كبيرًا من إنتاج الطاقة في مصر يعتمد على الغاز الطبيعي.
أما فيما يخص الدلالات التقنية والفنية لوصول مشروع الضبعة إلى مرحلة تركيب وحدة ضغط المفاعل الأولى، فهذه الخطوة تعني أننا تجاوزنا مرحلة التجهيزات الإنشائية والأعمال المدنية، التي شملت المباني والقواعد الخرسانية والشبكات، وانتقلنا إلى مرحلة التركيب الميكانيكي، وهي مرحلة تركيب المكونات الأساسية لنظام المفاعل.
ومن الناحية العملية، تمثل هذه المرحلة دلالة واضحة على انتهاء الأعمال المدنية والانتقال إلى تركيب مكونات الضغط والأنابيب وقنوات التحكم، وهي الخطوات التي يعقبها مباشرة تركيب باقي الأجهزة والأنظمة المساندة، ليبدأ بعدها تنفيذ الاختبارات المطلوبة وصولًا إلى التشغيل النهائي.
وهذا يعكس أننا نسير وفق الجدول الزمني المحدد، وهو ما يعزز الثقة في التقدم الاقتصادي والسياسي للمشروع.

• كيف سيؤثر إنتاج محطة الضبعة على مزيج الطاقة في مصر ؟
بالنظر الى إنتاج محطة الضبعة المقدر بنحو 37 مليار كيلووات/ساعة سنويا من زاوية القدرة الإجمالية للمحطات ، فكل وحدة تنتج نحو 1200 ميجاوات، وبإجمالي أربع وحدات يصبح الإنتاج حوالي 4800 ميجاوات، أي ما يعادل ما بين 10% إلى 12% من الاستهلاك المحلي للكهرباء خاصة أن فمصر تستهلك حاليًا قرابة 40 جيجاوات، بينما ستضيف المحطات النووية نحو 4.8 جيجاوات، وهي نسبة كبيرة تنتج من مصدر ثابت يتمتع بقدرة تشغيلية تتجاوز 90%.
كما أن الطاقة النووية طاقة نظيفة لا تنتج انبعاثات من ثاني أكسيد الكربون، على عكس الاعتماد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء.
وبالتالي فإن استبدال جزء من إنتاج الكهرباء المعتمد على الغاز بإنتاج نووي يقلل بشكل ملحوظ من الانبعاثات الكربونية، وهو ما يدعم جهود خفض الانبعاثات ومواجهة التغير المناخي.
أما فيما يتعلق بقدرة الشبكة على دمج الطاقة المتجددة مستقبلا، فإن وجود قدرة ثابتة وكبيرة من الطاقة النووية يساعد على ذلك بشكل مباشر.
وبالتالي، فإن إنتاج محطة الضبعة سيحقق ثلاثة أهداف رئيسيةوهم استقرار الشبكة الكهربائية ، وخفض الانبعاثات الكربونية ، فضلا عن تعزيز قدرة الشبكة على دمج الطاقة المتجددة بكفاءة أعلى.
• بحسب التقديرات، ستوفر المحطة 7.7 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا… كيف يمكن أن تنعكس هذه الوفورات على فاتورة استيراد الطاقة وعلى ميزان المدفوعات؟
من المتوقع أن تتراوح الوفرة بين سبعة إلى ثمانية مليارات متر مكعب سنويًا.
وهنا يجب التأكيد على أن هذه الأرقام تستند إلى تقديرات وتصريحات رسمية صادرة عن وزراء ورئيس الوزراء، وتشير إلى أن هذا الوفر يعادل ما بين 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنويا وفق متوسطات أسعار الغاز عالميًا.
وتأتي أهمية هذا الوفر من أن هذه الكميات من الغاز لن تستهلك محليا، وبالتالي لن تكون الدولة مضطرة لاستيرادها، خاصة في ظل المرحلة الحالية التي يشهد فيها الإنتاج المحلي من الغاز تراجعا، وما يترتب على ذلك من ارتفاع معدلات الاستيراد.
ومن ثم فإن خفض هذه الكميات سيؤثر بشكل كبير على فاتورة استيراد الطاقة، نظرا لارتباطها بتذبذب أسعار الغاز عالميا.
ويضاف إلى ذلك أن جانب الوفورات الاقتصادية ليس هو التأثير الوحيد؛ فتعزيز أمن الطاقة يعد جزء لا يقل أهمية عن الفوائد الاقتصادية المباشرة.

• روساتوم ستتولى توفير الوقود النووي وتدريب العاملين لمدة 10 سنوات.. كيف يؤثر هذا النموذج التعاقدي على استقلال مصر التشغيلي على المدى الطويل؟
هذه المدة تعد فترة مريحة تتيح لمصر اكتساب خبرات واسعة خلال مرحلة زمنية ليست قصيرة، بما يسمح بانتقال حقيقي للمعرفة وبناء قدرة قوية للعامل والمهندس المصري على تشغيل المحطة بعد انتهاء السنوات العشر.
كما أن توفير الوقود لمدة عشر سنوات يمثل عامل استقرار مهم في المراحل الأولى، إذ يضمن ثبات التشغيل ويقلل من مخاطر توفير سلسلة الإمداد بالوقود، إضافة إلى دعم الصيانة خلال سنوات التشغيل الحرجة في البداية.
وتمكين الطاقم المحلي خلال العقد الأول يعزز من جاهزية المشغّل الوطني على مدار العمر التشغيلي الطويل للمشروع، الذي قد يمتد من 60 إلى 80 عامًا.
ورغم أن هذا قد يكون مناسبًا خلال السنوات الأولى، فإن الأهم على المدى الطويل هو العمل على تنويع مصادر التوريد وإتاحة حرية أكبر في التعاقد مع موردين آخرين في مراحل لاحقة من عمر المشروع بعد السنوات العشر الأولى.
ولتحقيق ذلك، من الضروري البدء مبكرًا في بناء بنية تحتية وطنية مرتبطة بصيانة الوقود، ووضع قواعد لتوسيع قاعدة الموردين إن أمكن، إضافة إلى تطوير قدرات محلية لتصنيع أو معالجة أجزاء من الوقود.
وهذه الخطوات تتطلب بطبيعتها استثمارات جادة في البحث العلمي
- كيف سيسهم مشروع الضبعة بالإضافة إلى المنطقة الصناعية الروسية في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وموسكو، وما انعكاسات ذلك على الأمن الطاقي المصري؟
يشكل مشروع الضبعة والمنطقة الصناعية الروسية أهمية كبيرة في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وموسكو. أول انعكاس لذلك يتمثل في تعزيز الروابط الاقتصادية، إذ يجمع المشروع بين بنود اقتصادية عدة، مثل مشاركة شركات روسية ومقاولين محليين، إضافة إلى التمويل الروسي للمحطة، بما في ذلك القرض الروسي طويل الأجل لتوريد الوقود.
كما يسهم المشروع في توسيع التعاون الصناعي والتقني من خلال المنطقة الصناعية المقررة، التي ستضم شبكات موردة ومراكز تصنيع وتدريب، مما يعزز الروابط التجارية والاستثمارية
أما بالنسبة لـ انعكاساته على الأمن الطاقي المصري، فإن المشروع يساهم في تنويع مصادر التوليد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المحلي أو المستورد، ويوفر طاقة ثابتة تدعم النمو الاقتصادي.
كما يعزز قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد للطاقة، ويفتح المجال لتنمية صادرات الكهرباء المستقبلية أو الخدمات المرتبطة بها، بما يمكن مصر من أن تصبح لاعب رئيسي في إنتاج الطاقة الكهربائية على مستوى المنطقة، مع إمكانيات تصدير للطاقة للدول الأوروبية، الأفريقية، أو دول مثل الأردن ولبنان والسعودية.
الا أن هناك عدة تحديات محتملة، من بينها الاعتماد الطويل الأمد على مورد وقود واحد، والذي قد يقيد الأسعار ويؤثر جزئي على استقلال القرار التشغيلي، خاصة في حال حدوث توترات سياسية أو دولية بين مصر وروسيا.
لذلك من الضروري العمل على تنويع الموردين والاستعداد بخطط بديلة لضمان استمرارية القدرة التشغيلية وعدم التأثر بالعلاقات الدولية.