تشهد السوق المحلية مرحلة دقيقة مع إعلان الحكومة استعدادها لطرح عدد من الشركات المملوكة للدولة بالبورصة، في توقيت يتقاطع فيه الضغط الناتج عن التزامات برنامج الإصلاح الاقتصادي، مع مراجعات صندوق النقد الدولي، مع تحولات عالمية في أسعار الفائدة وحركة رؤوس الأموال.
وفي هذا السياق، يقول محمد سعيد، خبير أسواق المال، إن طرح 11 شركة حكومية في البورصة في ظل مفاوضات صندوق النقد، ليس توقيتا مناسبا في ظل ما يحمله الظرف الراهن من تحديات وفرص متداخلة، تجعل التوقيت غير مثالي بشكل كامل، لكنه ممكن ومقبول بشرط حسن التنفيذ.
وأوضح أن التقلبات العالمية وسياسات الفائدة الأمريكية تفرض حالة من الحذر لدى المستثمرين الأجانب، ما يرفع تكلفة الأموال ويضغط على التقييمات، إلا أن الاقتصاد المصري شهد في المقابل تحسنا نسبيا في بعض المؤشرات الكلية، مثل تراجع معدلات التضخم، وزيادة الاحتياطي النقدي، واستقرار سعر الصرف بعد التعويم.
وأكد أن هذه المعطيات تخلق فرصة مشروطة بضرورة عدم طرح الشركات دفعة واحدة، بل وفق جدول زمني مدروس يراعي قدرة السوق على الاستيعاب، لتجنب سحب السيولة المتاحة والإضرار بالأسعار.
كما أشار إلى أن الحكم على الطروحات يعتمد كليا على الهدف النهائي وآليات التنفيذ، موضحًا أنه إذا اقتصر الأمر على بيع سريع لتوفير الدولار، وسد عجز الموازنة، دون تغيير حقيقي في إدارة الشركات، فسيكون ذلك حلا مؤقتا يعقبه ركود.
وحذر أيضًا من أخطاء تسعير الطروحات، ولا سيما المبالغة طمعًا في حصيلة أعلى، ما قد يؤدي إلى فشل الاكتتاب، أو انهيار السهم فور تداوله، وأيضًا التسعير المنخفض تحت ضغط الحاجة للسيولة، وهو ما سيهدر المال العام ويعطي انطباعًا سلبيًا عن التفريط في الأصول.
وأكد سعيد أن التخوف من البيع بأقل من القيمة العادلة مبرر ومشروع، في ظل ضغط الحاجة للعملة الصعبة، مشددا على أهمية الاعتماد على آليات تسعير احترافية، مثل البناء السعري، والاستعانة بمقيّمين ماليين مستقلين ذوي سمعة دولية.
كما دعا إلى استخدام أكثر من نموذج للتقييم، مثل التدفقات النقدية المخصومة، ومضاعفات الربحية، مع الالتزام بالشفافية الكاملة في نشر البيانات المالية والافتراضات المستخدمة.
بدوره قال الدكتور حسام الغايش، خبير أسواق المال، إن استعداد الحكومة لطرح نحو عدد من الشركات الحكومية يأتي في إطار تعظيم الاستفادة من الأصول العامة، وجذب الاستثمارات، وتحسين كفاءة الإدارة عبر توسيع قاعدة الملكية وإفساح المجال أمام القطاع الخاص.
وأوضح أن هذه الخطوة ترتبط ببرنامج الطروحات الحكومية الهادف إلى تعزيز الشفافية والحوكمة، وتحسين قدرة الشركات على التمويل، وتخفيف العبء عن الموازنة العامة من خلال تقليص الدعم الموجه لكيانات ضعيفة الربحية.
وأشار الغايش إلى أن ربط الطروحات ببرامج التمويل الدولية يثير تساؤلات حول توافقها مع أولويات التنمية الوطنية، واحتمالات تغليب الربحية قصيرة الأجل على البعد الاجتماعي ودور الدولة التنموي.
كما حذر من مخاوف تتعلق بتسارع التخارج من قطاعات استراتيجية، بما قد يؤدي إلى فقدان أدوات تدخل مهمة أو تمركز الثروة في أيدي قلة من الفاعلين الاقتصاديين.