على وقع طفرة غير مسبوقة في تاريخ البنية التحتية المصرية، يفتح المستشار الاقتصادي في مجال النقل واللوجستيات الدكتور محمد كامل إبراهيم ملف النقل المصري بكل صراحة وعمق، كاشفًا كيف حققت الدولة خلال سنوات قليلة توسعًا نوعيًا في الموانئ والطرق ومنظومات الربط اللوجستي، جعلها تنافس إقليميًا على حركة التجارة العالمية.
فقد وصلت أعماق الموانئ المصرية إلى ما يزيد على سبعة عشر مترًا، واستقبلت استثمارات من أضخم الكيانات الدولية، بينما امتد المشروع القومي للطرق ليربط أطراف البلاد بشبكة حديثة تخدم تدفقات البضائع والمناطق الصناعية الجديدة.
ويؤكد إبراهيم أن انضمام مصر إلى اتفاقيات دولية مثل اتفاقية النقل العابر تي آي آر، التي تضم أكثر من مئة وثلاثين دولة، خلق بعدًا جديدًا لحركة الترانزيت، وفتح الباب أمام تداول أسرع وأقل تكلفة للبضائع العابرة للحدود.
ورغم نجاح الدولة في إنشاء موانئ جافة وبرية في أكتوبر والعاشر من رمضان والنوبارية، وتطوير المحطات البحرية لتواكب المعايير العالمية، فإن تحديات أخرى ما زالت قائمة، من بينها تحديث التشريعات، وتطوير النقل النهري، وتوحيد إجراءات الموانئ، وهي ملفات تحتاج إلى قرارات جريئة لضمان تعظيم العائد من هذا القطاع الحيوي، الذي يعد واحدًا من أقوى روافد الاقتصاد الوطني.
بداية، كيف تقيّمون معدلات النمو المتحقق في قطاع النقل؟
يقول الدكتور محمد كامل إبراهيم إن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة يعكس نموًا جيدًا يتناسب مع حجم الاستثمارات الكبيرة التي ضُخت في القطاع، ويمكن رؤية ذلك بوضوح في حركة البضائع سواء الصادرات أو الواردات أو بضائع الترانزيت، إضافة إلى التطور الملحوظ في أساليب التداول داخل الموانئ والمطارات. كما أن دخول المستثمر الاستراتيجي الأجنبي، مثل موانئ دبي وموانئ أبوظبي وخط ميرسك، أحدث نقلة مهمة، لكنه خلق في الوقت نفسه نوعًا من التأثير على تسعير الخدمات. وأسهمت محطات تحيا مصر والموانئ الجافة والبرية في رفع كفاءة منظومة التداول بما يتماشى مع المعايير العالمية.
ما أبرز العوامل التي دعمت هذا التطور؟
يوضح إبراهيم أنه على الصعيد الداخلي كان لوزارة النقل دور بارز من خلال جرأة القرار وسرعة التنفيذ، خاصة في ظل قيادة الفريق كامل الوزير. كما أحدث المشروع القومي للطرق تغييرًا جذريًا في حركة البضائع، وربط المحافظات الصناعية بالموانئ، وفتح شرايين جديدة للتجارة. وساهم الانفتاح على الاستثمار الأجنبي في تطوير المحطات البحرية والجوية. أما خارجيًا، فقد ساعد التطوير الجمركي، ونظام الإفراج المسبق، واستخدام أجهزة الفحص بالأشعة على تقليل زمن الإفراج ورفع الكفاءة، إلى جانب التحول الرقمي والدفع الإلكتروني، الذي أحدث نقلة واضحة في المعاملات.
أي المشروعات كان الأكثر تأثيرًا على جودة النقل؟
يشير إبراهيم إلى أن عمليات التكريك التي رفعت أعماق الممرات الملاحية إلى أكثر من سبعة عشر مترًا كانت نقطة تحول كبيرة، لأنها سمحت باستقبال سفن ذات أحجام وطاقات لم تكن تدخل الموانئ المصرية سابقًا. كما أسهمت المحطات المتخصصة والموانئ الجافة في تحسين سرعة وكفاءة التداول بشكل واضح، إضافة إلى الأنظمة الإلكترونية الحديثة التي طورت أساليب التشغيل.
كيف انعكس توسع الطرق والكباري على حركة التجارة الداخلية؟
يوضح الدكتور محمد كامل إبراهيم أن الشبكة الجديدة للطرق فتحت مناطق كانت بعيدة عن شبكات الربط، وساعدت على نقل البضائع الثقيلة والخاصة بالمشروعات الكبرى، كما شجعت على ظهور مناطق صناعية جديدة مثل مدينة الأثاث ومدينة الغزل والنسيج، وزادت ثقة المستثمرين في سرعة وكفاءة التنقل بين المحافظات دون الاعتماد على المدن الكبرى فقط.
هل أسهمت هذه الطرق في تقليل الحوادث؟
يوضح إبراهيم أنه رغم جودة الطرق، فإن زيادة السرعات ونقص محطات الخدمة وضعف الرقابة على الأوزان الزائدة أبقت معدلات الحوادث عند مستويات غير مرغوبة، مؤكدًا أن الهدف لا يقتصر على تقليل زمن الرحلة، بل يشمل رفع مستوى الأمان وتحسين تكلفة التشغيل.
ماذا عن أثر التحول الرقمي؟
قال الدكتور محمد كامل إن التحول الرقمي، مثل الدفع الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني ونظم التداول الإلكتروني، قلل وقت الإجراءات وحسن كفاءة التشغيل، لكنه ما زال في حاجة إلى بنية تحتية إلكترونية أكثر استقرارًا لضمان استمرار العمل دون تعطل.
كيف أثّر تطوير السكك الحديدية على الأداء؟
أوضح الخبير اللوجستي أن التطوير رفع مستوى الأمان والانضباط، خاصة في نظم الإشارات والأسطول، لكن استمرار التركيز على نقل الركاب فقط يجعل السكك الحديدية تخسر كثيرًا، إذ تعتمد الربحية عالميًا على نقل البضائع، وهناك عوائق في الشبكة التقليدية مثل نقل عربات البضائع وأولوية تشغيل القطارات للركاب.
أين يقف مشروع القطار الكهربائي السريع؟
يؤكد كامل إبراهيم أن القطار الكهربائي السريع يمثل نقلة نوعية، لأنه يربط بين القاهرة والموانئ الكبرى مثل السخنة والإسكندرية، ويمكن تطبيق تقنيات مثل التحميل المزدوج عليه، وهي تقنيات يصعب تنفيذها على الشبكة التقليدية، ما يعزز دوره في نقل البضائع ودعم التنمية الصناعية والعمرانية.
كيف تغيرت تجربة النقل داخل المدن؟
إن مشروعات المترو والمونوريل ونظم النقل الذكي حسنت حركة المواطنين، لكنها ما زالت بحاجة إلى تطوير نظم التسعير وتوسيع نطاق الخدمات، بينما لا يزال النقل النهري بعيدًا عن أداء دوره الحقيقي رغم امتلاكه إمكانات كبيرة لتخفيف الضغط على الطرق.
هل يوجد تنسيق فعلي بين وسائل النقل المختلفة؟
يستطرد إبراهيم أن التنسيق ما زال محدودًا، وسوق النقل غير منظم بما يكفي، إذ يمكن لأي شخص شراء وسيلة نقل وتشغيلها دون ضوابط واضحة، كما أن غياب ترخيص التشغيل، وليس فقط ترخيص المرور، يؤدي إلى مخاطر كبيرة، خاصة في نقل البضائع الخطرة.
ما دور الاستثمارات في تطوير القطاع؟
يقول الدكتور محمد كامل إن الاستثمارات الأجنبية أضافت قيمة مهمة في تشغيل المحطات والموانئ، لكن من الضروري تحقيق المساواة بين المستثمر الوطني والأجنبي، كما أن بعض التشريعات القديمة، مثل قانون التجارة البحرية، ما زالت تعيق تملك وتشغيل السفن التي ترفع العلم المصري.
ما أبرز التحديات التي ما زالت قائمة؟
يشير إبراهيم إلى أن التحديات تشمل غياب توحيد الإجراءات بين الموانئ، وعدم استقرار الأنظمة الإلكترونية، وتأخر الاستفادة الكاملة من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهي ملفات تحتاج إلى قرار سريع وواضح.
أين يقف النقل النهري من منظومة التطوير؟
قال إبراهيم إن النقل النهري، للأسف، يأتي في نهاية الصف، وتبدأ مشكلاته من المناسيب المتغيرة، وظاهرة النحر والطرح، وغياب خرائط الأعماق، وضعف تشغيل الأهوسة، إلى جانب تعدد الجهات المسؤولة عنه، ما يعوق الاستثمار ويجعل تطويره ضرورة مؤجلة.
كيف انعكس تطوير المطارات على الحركة الجوية؟
يوضح إبراهيم أن المطارات الكبرى فقط تعمل بمستوى دولي مناسب، بينما يظل النقل الجوي للبضائع فرصة ذهبية غير مستغلة، ويمكن أن يحقق عائدًا كبيرًا إذا أُعيد تنظيم القطاع، وتم تمكين الشركات الوطنية من إدارة وتشغيل المطارات بكفاءة أعلى.
أخيرًا، كيف يؤثر تطوير منظومة النقل على الاقتصاد؟
يؤكد الدكتور محمد كامل إبراهيم أن النقل ليس مجرد وسيلة حركة، بل صناعة متكاملة قادرة على توليد العملة الأجنبية، وخلق فرص عمل، ودعم سلاسل الإمداد، وتحريك الاستثمارات. ويعتمد نجاح هذا القطاع على استراتيجية واضحة، وتشريعات حديثة، وتكامل حقيقي بين الدولة والقطاع الخاص، والاستثمار في العنصر البشري، الذي يبقى أساس أي نهضة حقيقية في منظومة النقل.