لم يعد الحديث عن الدعم في مصر مرتبطًا برغيف الخبز أو كيس السكر، بل أصبح الجوهر الحقيقي هو تحديد المستحقين الفعليين، وضمان وصول الدعم إليهم مباشرة دون وساطة أو تسرب أو إهدار.
وتستعد الحكومة خلال هذه الأيام للانتقال تدريجيًا من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي، عبر جهود مكثفة لتحديث بيانات المستفيدين وتنقيتها، بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات المستحقة بدقة وفاعلية أكبر.
وفي ضوء ذلك كشف مصدر مطلع بوزارة التموين والتجارة الداخلية عن أن منظومة الدعم النقدي سوف يتم تنفيذها خلال 2026-2027، على أن تصبح آلية الدعم النقدي أساس الدعم الحكومي الرئيسي بدلًا من الدعم العيني، الذي كان يتم صرفه عبر البطاقات التموينية.
وأشار المصدر إلى أن محافظة بورسعيد سوف تشهد الانطلاقة الأولى لتطبيق منظومة الدعم النقدي، باعتبارها نموذجًا تجريبيًا حيث تتميز المحافظة ، بطبيعتها الجغرافية الصغيرة وعدد سكانها المحدود، ما يتيح مدى نجاح التجربة عمليًا، مع سهولة رصد أي تحديات من المحتمل أن تحدث قبل تعميم النظام الجديد على باقي المحافظات الاخري.
موضحًا أن آلية صرف الدعم النقدي للتموين ستتم من خلال ما يعرف بالكارت الموحد، والذي يهدف في الأساس الي جمع مختلف أشكال الدعم الحكومي من خلال بطاقة واحدة، تُمكّن المواطنين المستحقين من الاستفادة من كافة الخدمات الحكومية منها دعم رغيف الخبز، وكذلك دعم أسعار المحروقات، إلى جانب باقي برامج الدعم الحكومي، ووفقا للمقرر سوف يتم تفعيل نظام الكارت الموحد مع بداية الشهر الأول لتطبيق منظومة الدعم النقدي بشكل رسمي.
وفيما يتعلق بالأرقام المالية، أكد المصدر أن موازنة العام المالي المقبل خصصت نحو 75 مليار جنيه فقط للدعم، مقارنة بـ 155 مليار جنيه في الموازنة الحالية، مشيرًا إلى أن ما يقرب من نصف الدعم السابق كان لا يصل إلى مستحقيه الفعليين،
مؤكدًا على أن التحول إلى الدعم النقدي المشروط يهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وترشيد الإنفاق العام، بعد سنوات من مساواة غير عادلة بين الفئات القادرة وغير القادرة في الحصول على نفس قيمة الدعم، وهو ما يتعارض مع فلسفة توجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين.
فيما أوضح المهندس متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية والتموين بالشعبة العامة للمستوردين في الاتحاد العام للغرف التجارية، أن التوجه الحكومي نحو تطبيق الدعم النقدي خطوة مهمة في الوقت الحالي تأتي ضمن مسار الدولة في التوجه نحو تطبيق الشمول المالي إلى جانب دعم خطط التنمية الاقتصادية وكذلك الاجتماعية، مؤكدًا علي أن التحول النقدي يسهم بشكل أساسي في تطوير منظومة الدعم وكذلك يضمن وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجًا بصورة أكثر دقة وعدالة.
كما استكمل بشاي حديثه قائلا: إن الحفاظ على فاعلية الدعم النقدي يتطلب مراجعة قيمته بشكل دوري، مقترحًا أن تتم هذه المراجعة كل 3 أشهر، مع الأخذ في الاعتبار تغييرات معدلات التضخم والتغيرات الاقتصادية ومستويات المعيشة المتقلبة، على نحو يضمن استمرار القوة الشرائية للدعم وعدم تأثره بارتفاع الأسعار، أسوة بآليات التسعير المعمول بها في معظم القطاعات الحيوية.
كما أشار أيضا إلى أهمية وضع ضوابط واضحة تضمن توافر السلع والخدمات مع انتظام سلاسل التوريد، بما يحقق عدالة التوزيع بين القرى والمناطق الريفية والمدن بنفس الكفاءة، لافتًا خلال حديثه إلى أن العديد من الدول طبقت نظم الدعم النقدي المشروط ونجحت التجربة على أرض الواقع ، من بينها دول أوروبية والولايات المتحدة، إضافة إلى التجربة البرازيلية التي حققت نتائج إيجابية ملموسة على أرض الواقع أيضا.
على الجانب الاخر كشف خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، عن أن الخطوات التي تعكف الحكومة على تنفيذها في التوقيت الحالي تمثل تطورًا مهمًا في طريقة إدارة ملف الدعم بشكل عام ، موضحًا أن تشديد الدولة على التأكد الكامل من جاهزية آليات التطبيق يعكس إدراكًا لحساسية هذا الملف وما يترتب عليه من تأثير مباشر في حياة المواطنين.
وأوضح الشافعي، أن هذا التوجه لا يمكن أن يتم التعامل معه باعتباره قرارًا إداريًا فقط، بل أنه يحتاج إلى إعداد دقيق وتنسيق مستمر بين الجهات المعنية، لضمان أن ينعكس على الواقع بشكل فعلي، لا أن يظل حبيس الإطار النظري.
وأشار كذلك إلى أن هناك شرط لنجاح الانتقال من الدعم العيني إلى النقدي يتوقف بالأساس على دقة قواعد البيانات المستخدمة، مع قدرة منظومة الرقابة على منع تسرب الدعم أو حتى إساءة استخدامه، بما يضمن وصوله إلى الفئات التي تستحقه فعليا.
وأضاف أيضا أن تطبيق الدعم النقدي يجب أن يسير بالتوازي مع التزام حكومي واضح بتوفير السلع والخدمات الأساسية بشكل منتظم ومستقر، سواء عبر منافذ التموين أو من خلال منافذ حكومية أخرى، مع إمكانية التوسع في إنشاء نقاط تجميع وتوزيع للسلع الأساسية داخل المحافظات المختلفة، على أن تُطرح بأسعار مناسبة تتماشى مع ظروف دخول محدودي الدخل.
وأكد الشافعى إلى أن انتظام توافر السلع الأساسية يمثل عاملًا حاسمًا في نجاح أي منظومة دعم جديدة، لأن إحساس المواطن بوجود احتياجاته اليومية دون اضطراب هو ما يعزز ثقته في سياسات الإصلاح الاقتصادي ويجعله أكثر تقبلًا للتغيير.
ولفت أيضا إلى أن التحول المدروس نحو الدعم النقدي يمكن أن يسهم في معالجة العديد من أوجه الخلل التي صاحبت منظومة الدعم التقليدية على مدار سنوات، سواء ما يتعلق بتسرب الدعم لغير مستحقيه، أو إهدار الموارد، أو التشوهات السعرية، إضافة إلى الحد من الممارسات السلبية التي ارتبطت بالدعم العيني.
بينما أكد الدكتور فخرى الفقى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، الخبير الاقتصادى، أن التحول من الدعم العينى إلى النقدي خطوة يمكن تنفيذها بسهولة، إذا تم الاعتماد على قاعدة بيانات دقيقة للمستحقين، إذ إن نجاح التجربة يعتمد على التطبيق العملى والتقنيات الحديثة.
كما شدد على أهمية أن تكون قاعدة البيانات دقيقة ومدققة، وأن يكون لدى المواطنين القدرة على استخدام البطاقات الإلكترونية وكلمات المرور الخاصة بها، لا سيما أن التحول النقدى فى صالح المواطنين، فهو يمنحهم حرية اختيار مشترياتهم الأساسية مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية وضبط الإنفاق الحكومي.