أكد الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مساعد بكلية الزراعة جامعة بنها ورئيس لجنة الزراعة والري بحزب الوعي، أن التغيرات المناخية باتت أحد أبرز العوامل الضاغطة على مستقبل التنمية، ولم تعد أزمة بيئية عابرة يمكن التعامل معها بحلول مؤقتة، بل تحولت إلى متغير أساسي يعيد تشكيل أولويات القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة التي تتصدر قائمة القطاعات الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية.
وأوضح إمبابي أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر أصبح المسار الأكثر واقعية لتحقيق معادلة صعبة تجمع بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية، مشيرًا إلى أن هذا التوجه لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة لضمان استمرار الإنتاج الزراعي والحفاظ على الاستقرار المجتمعي في ظل تصاعد الضغوط البيئية.
وأشار إلى أن جوهر الاقتصاد الأخضر يقوم على ترشيد استخدام الموارد، وتقليل الانبعاثات الضارة، والحد من التدهور البيئي، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في الزراعة باعتبارها قطاعًا يتأثر بشكل مباشر بارتفاع درجات الحرارة، وتذبذب المناخ، وتراجع كفاءة الأراضي الزراعية وندرة المياه.
ولفت رئيس لجنة الزراعة والري بحزب الوعي إلى أن الدول شبه الجافة، وعلى رأسها مصر، تواجه تحديات مركبة نتيجة محدودية الموارد المائية والزيادة المستمرة في الطلب على الغذاء، ما يجعل التحول الأخضر في الزراعة قضية تمس الأمن الغذائي والأمن القومي، وليس مجرد توجه بيئي أو تنموي.
وأضاف أن الاقتصاد الأخضر الزراعي يمثل نقلة من التعامل مع آثار التغير المناخي إلى إعادة هيكلة منظومة الإنتاج بالكامل، موضحًا أن الزراعة الذكية المعتمدة على التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء ونظم الري المتطورة، تسهم في خفض استهلاك المياه بنسب كبيرة، وتحسين كفاءة استخدام المدخلات، ورفع الإنتاجية دون استنزاف الموارد.
وأوضح إمبابي أن الزراعة المتجددة تبرز كأحد النماذج القادرة على استعادة حيوية التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والكربون، بما يعزز مرونة النظم الزراعية ويقلل من تأثرها بالصدمات المناخية المتكررة.
وفي سياق متصل، شدد على أهمية تبني مفهوم الاقتصاد الدائري داخل القطاع الزراعي، من خلال إعادة استغلال المخلفات الزراعية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، سواء كأسمدة عضوية أو مصادر للطاقة الحيوية، الأمر الذي يسهم في تقليل الفاقد وخفض تكاليف الإنتاج وتحقيق عوائد إضافية للمزارعين.
وأكد أن نجاح هذا التحول يتطلب منظومة فعالة للتمويل الأخضر، تربط بين الحوافز والدعم وتحقيق نتائج بيئية واضحة، بما يشجع المزارعين على تبني الممارسات المستدامة دون التأثير سلبًا على دخولهم أو جدوى نشاطهم الاقتصادي.
وأشار أستاذ الزراعة بجامعة بنها إلى أن مسار التحول الأخضر لا يزال يواجه عقبات، أبرزها ضعف التشريعات الداعمة، وارتفاع تكلفة التكنولوجيا الحديثة، ونقص الكفاءات المتخصصة، إلى جانب مقاومة التغيير في بعض المجتمعات الريفية.
وشدد في ختام تصريحاته على أن للبحث العلمي والجامعات دورًا محوريًا في قيادة هذا التحول، من خلال نقل التكنولوجيا من المعامل إلى الحقول، وبناء نماذج تطبيقية تربط البحث العلمي بالواقع الزراعي، مؤكدًا أن الاقتصاد الأخضر في الزراعة يمثل رهانًا استراتيجيًا لبناء قطاع أكثر كفاءة واستدامة، يعتمد على الإنتاج الذكي لا الإنتاج المكثف، ويضع حماية الموارد وضمان حقوق الأجيال القادمة في صدارة الأولويات.