الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
الزراعة الزراعة

كيف تعزز الزراعة التجديدية الاستدامة البيئية والاقتصادية؟

أصبح مفهوم الزراعة التجديدية ليس فقط من الاتجاهات الحديثة في عالم الزراعة، بل ضرورة ملحة لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية الحالية، فقد أضحى هذا النهج الزراعي محوريًا في الحد من تدهور الأراضي، عزل الكربون، وتقليل الاعتماد على المدخلات الصناعية عالية الانبعاثات. 

فى هذا السياق أكد الخبير الدولي في الزراعة التجديدية وتغير المناخ، أستاذ الزراعة العضوية والبيئة بجامعة الأزهر، الدكتور خالد غانم، أن الزراعة التجديدية لم تعد مجرد اتجاه زراعي حديث، بل أصبحت ضرورة بيئية واقتصادية، نظرًا لدورها المحوري في عزل الكربون، والحد من تدهور الأراضي، وتقليل الاعتماد على المدخلات الصناعية كثيفة الانبعاثات.

وأوضح الدكتور غانم أن الزراعة التجديدية تتجاوز مفهوم الاستدامة التقليدي، إذ لا تكتفي فقط بالحفاظ على الموارد، بل تسعى أيضًا إلى إعادة بنائها بفاعلية من خلال ممارسات زراعية متكاملة تشمل تقليل اضطراب التربة، زراعة محاصيل التغطية، تناوب المحاصيل، ودمج الثروة الحيوانية في النظام الزراعي.

 

أشار الدكتور غانم إلى أن الزراعة التجديدية تهدف إلى إنتاج غذاء ذو قيمة غذائية عالية، مع تحسين الجدوى الاقتصادية للمزارع، وتقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات، كما تعزز قدرة التربة على تخزين الكربون، مما يجعلها أداة فاعلة في جهود خفض الانبعاثات الكربونية على المستوى العالمي.

وربط غانم بين الزراعة التجديدية ومفهوم الاقتصاد الدائري الذي يعتمد على إعادة تدوير واستخدام الموارد بشكل مستمر، في هذا النموذج، تتحول المخلفات إلى مدخلات جديدة بدلاً من إهدارها، مما يسهم في تقليل النفايات والملوثات، والحفاظ على الموارد الطبيعية والطاقة، كما يدعم هذا النموذج الاقتصاد الأخضر ويوفر فرص عمل جديدة في مجالات الابتكار البيئي.

وأكد غانم أن الزراعة التجديدية والاقتصاد الدائري ينبعان من فلسفة واحدة، وهي أن "لا نفايات في الطبيعة"، بل كل عنصر يعود ليغذي دورة جديدة من الحياة ومن خلال هذه الفلسفة، يتم إنتاج الغذاء وتنمية الاقتصاد دون الإضرار بالبيئة.

تجارب دولية رائدة تثبت فعالية الزراعة التجديدية

 

استعرض غانم خمس تجارب دولية ناجحة تُجسد التكامل بين الزراعة التجديدية والاقتصاد الدائري، وتبرهن على قدرة هذا النموذج على خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز مرونة النظم البيئية:

مزرعة غابي براون في الولايات المتحدة:


في ولاية داكوتا الشمالية الأميركية، تُعتبر مزرعة غابي براون نموذجًا بارزًا للتحول إلى الزراعة التجديدية، بدأ براون تطبيق مبادئ الزراعة التجديدية في أوائل التسعينيات بعد فشل المحاصيل نتيجة التقلبات المناخية، مما أدى إلى تحسين صحة التربة بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت نسبة المادة العضوية في التربة من أقل من 2% إلى أكثر من 6%، وارتفع مخزون الكربون في أعماق التربة بشكل يفوق بكثير الأراضي التقليدية المجاورة، كما شهدت المحاصيل زيادة ملحوظة في الإنتاج مع تقليل استخدام الأسمدة الصناعية والمبيدات.

مزرعة فارم إيد في المملكة المتحدة:


في مقاطعة أوكسفوردشاير البريطانية، تُعد مزرعة فارم إيد مركزًا تعليميًا وتطبيقيًا للزراعة التجديدية المزرعة تطبق ممارسات مثل الزراعة دون حرث، محاصيل التغطية، والرعي المتنقل، إلى جانب إعادة تأهيل الأراضي الرطبة، إضافة إلى الإنتاج الزراعي، تُسهم المزرعة في التوعية المجتمعية من خلال ورش عمل وشراكات بحثية مع الجامعات والمؤسسات العلمية، كما تتميز بتصميم معماري منخفض الكربون، مما يجعلها نموذجًا متكاملًا للزراعة منخفضة الانبعاثات الكربونية.

الزراعة المحافظة في زامبيا:


في أفريقيا، تسلط تجربة الزراعة المحافظة في زامبيا الضوء على البعد الاجتماعي والاقتصادي للزراعة التجديدية، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، أسهم المشروع في تحسين إنتاجية المحاصيل لأكثر من 229 ألف مزارع، مع التركيز بشكل خاص على النساء، نموذج المزارعة مارغريت تشيسانغانو يُعد من الأمثلة الملهمة، حيث قفز إنتاجها من الذرة من 10 أكياس فقط إلى 120 كيسًا للهكتار الواحد بعد تبني ممارسات الزراعة المحافظة.

صحة الغابات لصحة البحار في اليابان:


في اليابان، أظهرت تجربة العالم كاتسوهيكو ماتسوناغا وصياد المحار شيجياتسو هاتاكياما العلاقة الوثيقة بين النظم البرية والبحرية، إذ أظهرت الأبحاث أن تدهور الغابات على ضفاف الأنهار يؤثر سلبًا على الحياة البحرية بسبب نقص الحديد البيولوجي الضروري لنمو العوالق النباتية، ومن خلال حملات إعادة التشجير على ضفاف الأنهار، تم استعادة التوازن البيئي وزيادة إنتاجية مصايد المحار، في نموذج يُظهر كيف يمكن لحلول قائمة على الطبيعة أن تعزز النظم البيئية وتدعم الاقتصاد المحلي.

تقنية "الزاي" في بوركينا فاسو:


في بوركينا فاسو، طوّر المزارع يعقوبا ساوادوغو تقنية "الزاي" التقليدية لمواجهة التصحر والجوع، عبر حفر صغيرة تجمع مياه الأمطار وتُدعم بالمواد العضوية، هذه التقنية أسهمت في استعادة خصوبة التربة وزيادة إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى 500%. وبفضل نجاحها، انتشرت التقنية إلى دول أفريقية مجاورة.