الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
إستثمارات تتجاوز 90 مليون دولار ومعدلات تداول تصل إلى 60 ألف طن يوميًا بالموانئ المصرية

فى حواره لـ"عالم المال"

رئيس «سكاي بورتس»: موقع مصر الاستثنائي يحسم معركة الموانئ في سلاسل الإمداد العالمية

حوار/ رشا يوسف باشا 
 

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها حركة التجارة العالمية، وتصاعد أهمية الخدمات اللوجستية كأحد أعمدة النمو الإقتصادي، تبرز الموانئ المصرية كلاعب رئيسي على خريطة سلاسل الإمداد الدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم .


وفي هذا السياق، كان لـ«عالم المال» هذا الحوار مع المهندس طارق حسين، رئيس مجلس إدارة شركة «سكاي بورتس»، أحد الكيانات الوطنية العاملة في إدارة وتشغيل الموانئ، والذي كشف خلاله عن دوافع الإستثمار في السوق المصرية، ورؤية الشركة لمستقبل الموانئ والخدمات اللوجستية، ودور التحول الرقمي والكفاءة التشغيلية في تعزيز تنافسية مصر كمركز لوجستي عالمي، إضافة إلى خطط التوسع والإستثمارات الجديدة والتحديات التي تواجه القطاع، في ضوء المتغيرات الإقتصادية والجيوسياسية الإقليمية والدولية.

عند دخول «سكاي بورتس» السوق المصرية، ما الاعتبارات الاستثمارية التي حسمت القرار لصالح مصر؟


شركة «سكاي بورتس» استثمار مصري خالص، ومن المنطقي تماماً الإستثمار في صناعة الخدمات اللوجستية؛  فمصر تقع على أحد أهم الممرات الملاحية عالميًا، وهو «قناة السويس»، ما يجعلها نقطة ارتكاز طبيعية للتجارة بين أوروبا وآسيا والخليج وشرق أفريقيا. 

وهذا الموقع يضاعف جدوى الاستثمار في الموانئ المصرية، خاصة مع هذه الميزة التنافسية الفريدة.


وفيما يتعلق تحديداَ بميناء شرق بورسعيد، فيتميز بخصائص عديدة تتيح المنافسة دوليًا؛ إذ يتمتع رصيف «سكاي بورتس» بغاطس يصل عمقه إلى 18.5 متر، ما يسمح باستقبال السفن العملاقة ويعزز كفاءة العمليات اللوجستية. كما أن طول رصيف الاستقبال يتيح باستقبال عدة سفن في وقت واحد.


هذه العوامل والمقومات كانت حاسمة في قرار الإستثمار، فضلًا عن الدعم والتسهيلات المقدمة من الهيئة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة النقل، سواء في التراخيص أو البنية التحتية، ما أتاح للشركة التركيز على تطوير العمليات وتحقيق معدلات تشغيل عالمية.

كيف تنظر «سكاي بورتس» إلى موقع مصر في خريطة سلاسل الإمداد العالمية بعد المتغيرات الإقتصادية والجيوسياسية الأخيرة؟


التطورات الإقتصادية والجيوسياسية في المنطقة، خاصة تقلبات طرق التجارة العالمية والاضطرابات التي حدثت في منطقة البحر الأحمر، أثرت قليلًا في حركة المرور، لكنها في الوقت نفسه عززت أهمية مصر كمركز محوري في قلب التجارة العالمية، وأسرع طريق بحري بين أوروبا وآسيا. وهذا الموقع يجعل من الموانئ المصرية نقاط ارتكاز أساسية ضمن أهم سلاسل الإمداد العالمية مهما ارتبكت الأحوال الجيوسياسية.


لكن بعيدًا عن هذه التقلبات قمنا في «سكاي بورتس» بالتركز على تطوير العمليات وتحقيق القيمة المضافة؛ حيث نجحنا في تقليص زمن انتظار السفن إلى 4–5 ساعات، ما حقق وفورات مالية كبيرة للمصدرين والمستوردين، إضافةً إلى رفع كفاءة عمليات الشحن والتفريغ بمعدلات تفوق المتوسطات العالمية.


وتأتي هذه النجاحات مدعومة برؤية الدولة لتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي، من خلال التسهيلات التي تقدمها الهيئة الإقتصادية لقناة السويس، وهو ما يمنح المستثمرين الثقة في ضخ مزيد من الإستثمارات.

إلى أي مدى أصبحت كفاءة الموانئ عاملًا مباشرًا في قرارات المستثمرين ومشغلي خطوط الشحن؟


الكفاءة التشغيلية عنصر حاسم في صناعة الخدمات اللوجستية، ومن أهم العوامل التي ينظر إليها المستثمرون والمصدرون والمستوردون. فمثلًا، خفض زمن انتظار السفن وحده يمكن أن يتحول مباشرةً إلى خفض كبير في التكاليف.

 وبالنسبة إلى مصر، يعني ذلك دعمًا قويًا لفكرة التصدير؛ إذ إن تقليل كلفة الإنتاج والشحن يرفع مباشرة مستويات تنافسية الصادرات المصرية. إضافةً إلى ذلك، تضع كفاءة التشغيل الموانئ المصرية في موقع متقدم عالميًا بين الموانئ المختلفة، ما يجعلها أكثر جاذبية لخطوط التجارة الدولية.

كيف ينعكس نموذج تشغيل المحطات متعددة الأغراض الذي تطبقه «سكاي بورتس» على سرعة تداول البضائع وخفض التكاليف؟


المحطات متعددة الأغراض مجهزة للتعامل مع بضائع الصب الجاف مثل الفحم والكلينكر والبضائع العامة والخردة والأسمنت الصب، ما يسمح بتشغيل مرن وتكامل في تداول مختلف المنتجات دون الحاجة إلى تخصيص أرصفة منفصلة لكل نوع.

وهذا التنوع يقلل زمن الانتظار ويرفع مستويات الاستفادة من البنية التحتية.


ومع إستخدام أحدث المعدات والأنظمة التشغيلية، تمكنت «سكاي بورتس» من رفع سرعة دوران السفن وزيادة حجم التداول اليومي؛ حيث حققنا معدلات قياسية وصلت إلى 20  ألف طن يوميًا للسفينة الواحدة، وفي حال وجود عدة سفن يصل المعدل إلى 60 ألف طن يوميًا. وهذه الأرقام تفوق المعدلات المتوسطة في المنطقة.


وقد انعكست الكفاءة التشغيلية مباشرة على الاقتصاد المصري؛ إذ حققت المحطة وفورات تتراوح بين 11 و15 مليون دولار خلال عام واحد لشركات التصدير والاستيراد.

• ما دور التحول الرقمي في تعظيم العائد على الإستثمار داخل مشروعات الموانئ؟


إدارة التراكي في موانئنا تمثل ركيزة أساسية لضمان انسيابية حركة الملاحة البحرية؛ إذ تنظم دخول السفن وخروجها وفق أعلى المعايير الدولية، بما يحقق السلامة ويعزز الكفاءة التشغيلية.


وقد أثبتت الإدارة قدرتها على تقليص زمن الانتظار وزيادة الطاقة الاستيعابية للأرصفة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على سرعة دورة التجارة ودعم الاقتصاد الوطني. ونجاحنا في هذا المجال يعكس التزامنا بتطبيق أفضل الممارسات العالمية، ويعزز ثقة شركائنا الدوليين في منظومتنا التشغيلية، كما يرسخ مكانة «سكاي بورتس» كنموذج رائد في إدارة الموانئ الحديثة. فضلًا عن ذلك، قمنا بتطبيق أحدث أنظمة التشغيل الذكية للتحكم في الأوناش والمعدات الثقيلة، ما يقلل الأعطال ويزيد الإنتاجية.

كيف تسهم إستثمارات «سكاي بورتس» في تطوير منظومة الخدمات اللوجستية وربط الموانئ بسلاسل التوريد؟


تعمل «سكاي بورتس» على ضخ مزيد من الاستثمارات الوطنية في مشروعاتها المختلفة بالموانئ المصرية. فعلى سبيل المثال، ضخت الشركة استثمارات قدرها 65 مليون دولار في المرحلة الأولى من محطتها متعددة الأغراض بميناء شرق بورسعيد، وهي محطة أسهمت في تعزيز قدرات الميناء. وتستمر الشركة في ضخ استثمارات إضافية خلال الفترة المقبلة لتوسيع الأعمال والخدمات التي تقدمها المحطة.


أما في ميناء السخنة على البحر الأحمر، فتعمل الشركة حاليًا على إنشاء محطة جديدة، من المتوقع أن تصل استثماراتها إلى نحو 26 مليون دولار، بما يرسخ موقع مصر حلقة وصل محورية بين أوروبا وآسيا والخليج. ويسهم هذا المشروع في تعزيز تدفق البضائع عبر قناة السويس، ويخدم المصانع المحلية في منطقة السخنة الصناعية، بما يضمن وصول مستلزمات الإنتاج بسرعة أكبر وتكلفة أقل.

من واقع تجربة «سكاي بورتس»، ما أبرز التحديات الاستثمارية والتشغيلية في السوق المصرية؟


في حقيقة الأمر، وضعت الدولة هدفًا كبيرًا بتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي؛ لذلك تتعاون جميع الجهات المعنية لتيسير إطار العمل وجذب المستثمرين، ومن ثم فإن أغلب التحديات ذات طابع فني متخصص.
فعلى سبيل المثال، من أبرز التحديات الحاجة إلى إعداد دراسات فنية ومالية دقيقة لتحديد حجم الاستثمارات المتوقع ضخها في المشروعات، إضافةً إلى ضرورة تطوير البنية التحتية باستمرار (مثل المخازن المغطاة والصوامع) لمواكبة الطلب العالمي، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية ويشكل ضغطًا على الموارد.
وهناك أيضًا بعض التحديات الميدانية، مثل معالجة طبيعة الأرض في ميناء شرق بورسعيد، المتمثلة في ضعف التربة الطبيعية، الأمر الذي تطلب عمليات ضخمة لتثبيت التربة وتقويتها من أجل إنشاء المخازن والأرصفة، وهي عمليات هندسية معقدة ترفع التكلفة الإستثمارية.


إضافةً إلى ذلك، واجهنا تحديًا كبيرًا يتمثل في التحول إلى محطة «خضراء»، وهو ما يتطلب إستثمارات إضافية في الأنظمة الصديقة للبيئة، لتأكيد التزامنا بأعلى المعايير الدولية لتقليل الانبعاثات وإعادة تدوير الغبار.

كيف تقيمون فرص التكامل بين الموانئ المصرية والمناطق الصناعية واللوجستية في جذب استثمارات جديدة؟


يمثل التكامل بين الموانئ والمناطق الصناعية فرصة ذهبية لجذب إستثمارات جديدة؛ إذ يسهل تدفق المواد الخام والمنتجات النهائية، ويخفض التكلفة اللوجستية، ما يعزز تنافسية مصر مركزًا إقليميًا للتجارة والصناعة، ويفتح آفاقًا أوسع لتصدير المنتجات المصرية تامة الصنع.

ما ملامح إستراتيجية «سكاي بورتس» للتوسع داخل مصر في ضوء المنافسة الإقليمية؟

تعمل «سكاي بورتس» حاليًا على إنشاء محطة جديدة متعددة الأغراض في ميناء السخنة، كما بدأنا تنفيذ مشروع إنشاء صوامع لتخزين الأسمنت الصب وفق أعلى المعايير البيئية، وهو ما يفتح الباب لتصدير الأسمنت المصري إلى أسواق لم يدخلها من قبل. كما تركز الشركة على تقديم خدمات لقطاعات جديدة مثل الحبوب والأسمدة، بما يضمن التفوق على المنافسة الإقليمية.

كيف ترى «سكاي بورتس» مستقبل الاستثمار في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية بمصر خلال السنوات المقبلة؟


مع الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع، وتيسير عناصر الاستثمار، والنجاحات التي تحققت في فترة قصيرة، فإننا في «سكاي بورتس» نتوقع مزيدًا من النجاح، مدفوعًا برؤية تحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي .


ونتوقع أيضًا إستمرار تطوير البنية التحتية للموانئ، وزيادة الإعتماد على التكنولوجيا الحديثة. وستسهم هذه العناصر مجتمعة في أن تكون مصر وجهة مفضلة للإستثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية.