في السنوات الأخيرة، سجل الاقتصاد المصري معدلات نمو اقتصادي إيجابية نسبيًا، لكن هذا النمو لم ينعكس مباشرة على خلق فرص العمل الكافية لاستيعاب الدخول الجديدة في سوق العمل، خصوصًا للفئات الشابة والمتعلمة.
ماذا يحدث بالفعل في الاقتصاد المصري؟ ولماذا لا يترجم النمو إلى وظائف حقيقية؟
وتشير بيانات رسمية صادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في مصر بلغ نحو 4.5% في السنة المالية 2024-2025، مقارنة بـ2.4% في العام السابق، مدعومًا بتعافي بعض القطاعات مثل الصناعات التحويلية.
هذا النمو كان مصحوبًا بتحسن نسبي في أوضاع الاقتصاد الكلي، لكنه لم يترجم إلى توسع واسع في التوظيف، وهو ما يتناقض مع التوقعات المبنية على النظريات الاقتصادية التقليدية.
ووفقًا لأحدث إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل البطالة في مصر 6.4% خلال الربع الثالث من عام 2025 (يوليو–سبتمبر)، بعد أن تراجع إلى 6.1% في الربع الثاني، في حين استمر عدد الأشخاص في قوة العمل في الارتفاع.
وتظهر البيانات أن عدد العاطلين وصل إلى نحو 2.23 مليون شخص، بينما توسعت قوة العمل إلى نحو 34.7 مليون، مما يشير إلى أن معدلات التوظيف لم تواكب زيادة المتقدمين لسوق العمل.
حتى مع تحسن المؤشرات، يظل التحدي قائمًا في خلق وظائف جديدة بوتيرة قادرة على استيعاب الإضافات السنوية لسوق العمل، التي تُقدَّر بمئات الآلاف سنويًا بفعل النمو السكاني الكبير.
الفجوة بين النمو السكاني وسرعة خلق الوظائف تعني أن نسبة البطالة لا تهبط بقدر ما ينبغي لوظائف النمو كانت أكثر كثافة في العمالة.
النمو بلا توظيف.. ما وراء الأرقام
هناك عدة أسباب تفسيرية لعجز النمو عن توليد فرص عمل كافية، من بينها ضعف مرونة التوظيف في النمو الاقتصادي، إذ تبين الدراسات الأكاديمية أن العلاقة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدل التشغيل في مصر ضعيفة نسبيًا، وأن مرونة التشغيل بالنسبة للناتج منخفضة، أي أن زيادة في الناتج لا تُترجم دائمًا إلى توسع كبير في العمالة.
بمعنى آخر، يمكن للناتج أن ينمو بينما تبقى الشركات غير قادرة أو غير راغبة في توظيف أعداد كبيرة من العمالة.
ويرى الباحثون أن جزءًا كبيرًا من النمو في مصر يأتي من أنشطة ذات كثافة رأس المال، مثل المشروعات الكبرى والاستثمارات في البنية الأساسية، أو أنشطة تعتمد على التكنولوجيا أو الأصول الثقيلة، وليس من أنشطة كثيفة العمالة مثل الصناعة الخفيفة أو الخدمات الإنتاجية. وهذا يعني أن النمو قد لا يخلق عددًا كبيرًا من الوظائف مقارنة بحجم الناتج.
ورغم أن القطاع الخاص يشكل حوالي 75% من الناتج المحلي ويشغل أكثر من 80% من القوى العاملة في مصر، فإنه يواجه قيودًا هيكلية مثل محدودية الوصول إلى التمويل وحدوث عقبات تنظيمية تجعل توسعه وإنتاجه للوظائف محدودًا.
وإحدى العقبات الكبرى في سوق العمل المصري هي عدم تطابق المهارات بين ما يتعلمه الخريجون وما يحتاجه سوق العمل، مما يخلق بطالة نوعية، حتى لو كانت نسب البطالة الإجمالية ليست هي الأعلى على الإطلاق.
ملايين الشباب يتطلعون للعمل
ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، يدخل نحو 1.3 مليون شاب مصري سوق العمل كل عام، في حين يتم خلق ما يقرب من 500 ألف وظيفة فقط على أساس سنوي، وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب على العمل.
وهذه المعادلة تعني أن جزءًا كبيرًا من الشباب إما يتحول إلى العمل غير الرسمي، أو يظل عاطلًا رغم تحسن مظهر النمو في بيانات الناتج.
النظرية التقليدية تقول إن قانون أوكن (Okun’s Law) يشير إلى علاقة عكسية بين النمو والبطالة، أي أنه كلما زاد النمو انخفضت البطالة. لكن في السياقات المصرية، لا ينطبق هذا القانون بشكل صارم في المدى الطويل، لأن النمو غالبًا ما يكون غير متسق مع التوسع في الوظائف.
وتقرير البنك الدولي يؤكد أن تحقيق التوظيف الكامل للشباب يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 36%، بينما إغلاق فجوة مشاركة المرأة في العمل يمكن أن يرفع الناتج بنحو 68%.
وهذا يشير إلى أن النمو الصافي بعيدًا عن شمولية التوظيف لا يضمن الاستفادة الكاملة من قوة العمل الشابة والطاقات الاقتصادية المتاحة.