الجمعة، 05 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
إنترنت إنترنت

لماذا يخذل الإنترنت المصريين؟

أصدر مشروع “حلول للسياسات البديلة” تحليلًا سريعًا لفحص الفجوة الرقمية في مصر، وارتفاع أسعار الإنترنت، وخيارات السياسات التي ترسم حدود الإتاحة والحرمان من الاتصال.

وناقش مجلس النواب المصري خلال الأسبوع الماضي مقترحات بشأن تطبيق نظام "الإنترنت غير المحدود"، وذلك لتعزيز إتاحة خدمات الإنترنت وخفض تكلفتها. تأتي هذه الخطوة بعد احتجاج المستخدمين عبر منصات التواصل الاجتماعي لاضطرارهم تجديد باقات الإنترنت بشكل متكرر قبل انتهاء صلاحيتها. وتُعد هذه الحملة الأحدث ضمن سلسلة من الشكاوى المتعلقة بتراجع جودة الإنترنت ومحدودية التغطية وارتفاع تكلفته في مصر. في هذا السياق، يتعين على الدولة منح الأولوية لتحسين تجربة المستخدمين وتوسيع نطاق التغطية دون تمييز، باعتبار الإنترنت خدمة بالغة الأهمية. 

الإنترنت كمرفق عام.. تقليص الفجوة الرقمية بمصر

تُمثل خدمات الإنترنت وسيلة أساسية لإنتاج ونشر المعرفة، لذا فهي تُعد من المرافق العامة وتتسم بكونها غير تنافسية وغير إقصائية؛ إذ لا يؤثر استهلاك الفرد فيها على توافرها للآخرين، ويجب إتاحتها للجميع. وتظهر الفجوة الرقمية في مصر من خلال الفوارق الجغرافية؛ فبينما تمثل المناطق الريفية النسبة الأكبر من السكان، تتركز خدمات الإنترنت الأرضي، وخاصةً تقنيات خط المشترك الرقمي غير المُتماثل (ADSL) وخط المشترك الرقمي عالي السرعة (VDSL)، بكثافة في المناطق الحضرية، وفي مقدمتها القاهرة الكبرى ومحافظات الدلتا 

تكتسب إتاحة خدمات الإنترنت الأرضي عالي السرعة أهمية قصوي، وبصفة خاصة لسكان المناطق الريفية التي تعاني من نقص الخدمات. إذ توفر هذه الخدمات مزايا اقتصادية متعددة بفضل سعتها الثابتة التي تتيح استخدامًا واسع النطاق بتكلفة أقل ودون قيود على الاستهلاك. وفي المقابل، تواجه خدمات الهاتف المحمول قيودًا جوهرية في السعة الاستيعابية نظرًا لاعتمادها على طيف ترددي محدود، ما يؤدي إلى فرض قيود على الإستهلاك وارتفاع أسعار الجيجابايت، ويحد من معدلات استهلاك المستخدمين للبيانات. ويجب على الحكومة العمل على ضمان تكامل هاتين الخدمتين، مع تعزيز إتاحة الوصول إليهما معًا. 

ارتفاع الأسعار دون تطور ملموس

استمرت شركات الإنترنت في مصر (ISPs) في رفع أسعارها على المستهلكين، وذلك بالرغم من اتساع الفجوة الرقمية. فقد ارتفعت تكلفة الباقة الأساسية للإنترنت الأرضي سعة 140 جيجابايت من 120 جنيهًا شهريًا في ديسمبر 2023 إلى 210 جنيهات في يناير 2026. 

يمثل ارتفاع الأسعار هذا عبئًا كبيرًا على العديد من الأسر، وخاصةً تلك التي تعتمد على دخل فرد واحد يتقاضى الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه مصري شهريًا، ما يعني أن أرخص باقة إنترنت أرضي تستحوذ على 3% تقريبًا من الأجر الشهري، وهو ما يتجاوز متوسط ​​الإنفاق السنوي للأسر على جميع خدمات الاتصالات، والذي بلغ 2.6% في العام المالي2022/2021. 

لم تنعكس زيادة الأسعار على رفع كفاءة البنية التحتية لخدمات الإنترنت؛ إذ يُبلغ المستخدمون باستمرار عن انقطاع الخدمة وانخفاض سرعة الإنترنت. وفي عام 2025، تسبب نشوب حريق هائل في سنترال رمسيس المركزي التابع للشركة المصرية للاتصالات - الذي يمر عبره نحو 40% من حركة الاتصالات في البلاد - في انقطاع الخدمات على مستوى الجمهورية وانخفاض نسبة الاتصالات إلى 62% في شهر يوليو. واستمر اضطراب الخدمات الحكومية والمالية وخدمات البث لعدة أسابيع. وتحتكر الشركة المصرية للاتصالات البنية التحتية الأساسية للاتصالات في البلاد، ما يُلزم مزودي خدمات الإنترنت الآخرين باستئجار السعات منها، ويجعلها الجهة الوحيدة المسؤولة عن تحسين الاتصال الدولي بالإنترنت. إضافةً إلى ذلك، بلغ متوسط سرعة الإنترنت في عام 2023 في مصر9.75 ميجابايت/ ثانية، وهو معدل يقل كثيرًا عن المتوسط العالمي البالغ 46.8 ميجابايت/ ثانية، ما يحد من جودة الاتصال اللازمة لمجالات مثل البث المباشر ومكالمات الفيديو. 

تباين معايير معالجة البيانات

يواجه مستخدمو الإنترنت في مصر تمييزًا في معالجة طلبات الوصول إلى بعض المنصات والتطبيقات؛ فبينما تتبنى دول عديدة مبدأ "حيادية الإنترنت"، القائم على عدم التمييز في استخدام البيانات أو تسعيرها، يغيب هذا المفهوم عن المشهد المحلي. وبدلًا من ذلك، تمنح شركات تقديم خدمات الإنترنت أولوية للوصول إلى منصات أو تطبيقات بعينها، في حين قد تتعرض محتويات أخرى إلى إبطاء في سرعات التدفق أو الحجب المتعمد. وقد استطاعت تشيلي، بصفتها أول دولة في العالم تصدر قانونًا شاملًا لحيادية الإنترنت في عام 2010، تحقيق وصول الإنترنت إلى 100% من الأسر بحلول عام 2024. وعلى الرغم من ارتفاع معدل انتشار الإنترنت في مصر ليصل إلى 81.9% في مطلع عام 2025 مقارنة بـ 72.2% في عام 2023/2022، إلا أن حيادية الإنترنت يمكن أن تضمن توفير البيانات بشكل أكثر عدالة 

إتاحة الاتصال المتكامل لكافة المواطنين 

يتطلب تعزيز الوصول الشامل والعادل لخدمات الإنترنت أن تتعامل الدولة مع خدمات الاتصالات باعتبارها مرفقًا عامًا، مع إعطاء الأولوية للإصلاحات التنظيمية وتطوير البنية التحتية. وتتمثل الخطوات الجوهرية في توسيع نطاق الإنترنت الأرضي في المناطق الريفية المهمشة، وتفعيل مبدأ حيادية الإنترنت، بالإضافة إلى تنويع مسارات الاتصال الدولي بعيدًا عن احتكار الشركة المصرية للاتصالات. كما يجب على الحكومة وضع معايير واضحة لجودة الخدمة ومراقبة ممارسات مقدمي خدمات الإنترنت؛ لضمان عدم التمييز في الوصول وضمان استمرارية الخدمة. ومن شأن تطبيق تلك الإجراءات تقليص الفجوة الرقمية وتحسين جودة الاتصال وضمان تمكين جميع المواطنين من المشاركة الفعالة في الاقتصاد الرقمي والوصول إلى الخدمات الحكومية الأساسية عبر الإنترنت.