في ظل التحديات الاقتصادية المعقدة التي تواجهها مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تبرز الزراعة كركيزة أساسية لبناء اقتصاد وطني قوي وتعزيز قدرات الدولة الإنتاجية، ومع ذلك، فإن هذا القطاع الحيوي يواجه العديد من الصعوبات التي أثرت على جدواه الاقتصادية وجعلت الاهتمام بالاستثمار فيه يتراجع تدريجيًا.
وأكد يسري الشرقاوي، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، أن ضعف العائد الاقتصادي يعد من أبرز الأسباب التي دفعت الكثير من المستثمرين إلى الانصراف عن الزراعة، متسائلًا عن قدرة الفدان الزراعي على منافسة القطاعات الأخرى مثل القطاع العقاري.
وأشار إلى أن العائد من استثمار عقاري قد يصل إلى عشرة آلاف جنيه شهريًا، في حين أن المزارع قد يحتاج نحو تسعة أشهر ليحقق عائدًا أقل من ذلك عن زراعة فدان واحد، وهو ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام جذب الاستثمارات الزراعية.
تعزيز العائد الزراعي ضرورة ملحة
وأوضح الشرقاوي أن رفع العائد على الاستثمار الزراعي ليوازي العائد في القطاعات الصناعية والعقارية أصبح ضرورة ملحة، مشددًا على أن الزراعة حاليًا تسهم بنسبة تتراوح بين 15% و18% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة ببعض الدول التي تصل فيها مساهمة الزراعة إلى ما بين 25% و30%، ورغم أن مصر تمتلك مقومات زراعية كبيرة وتاريخًا طويلًا من الارتباط بالأرض على ضفاف نهر النيل، فإن تراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة أدى إلى عزوف الكثيرين عن هذا النشاط الحيوي.
وأشار الشرقاوي إلى أهمية استعادة الدور المؤسسي لدعم المزارعين، ومواجهة تحديات الأمن الغذائي، وتعزيز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق العالمية، مؤكدًا أن تحسين العائد على الفدان الزراعي يمكن أن يحوله إلى عنصر جذب حقيقي للمستثمرين.
التعليم الزراعي وتنمية المهارات
ولفت الشرقاوي إلى أن تدهور التعليم الزراعي يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتراجع كفاءة القطاع، مشيرًا إلى أن بعض الخبرات الأجنبية، خاصة من هولندا، تدير وتشغل مشاريع زراعية محلية، بما في ذلك الصوب الزراعية، ما يعكس الحاجة الملحة لتطوير منظومة التعليم الزراعي الفني والجامعي وتعزيز التعليم التكنولوجي المرتبط بالزراعة.
وشدد على ضرورة تكامل الجهود بين وزارتي التعليم والزراعة لوضع خطط استراتيجية للنهوض بالتعليم الزراعي وتحقيق نقلة نوعية في القطاع.
إعادة هيكلة سوق الصادرات الزراعية
وأشار الشرقاوي أيضًا إلى غياب التنظيم الكافي لسوق الصادرات الزراعية، مؤكدًا أن إعادة هيكلة السوق وتنظيمه يسهمان في زيادة الإنتاج وتحسين الربحية.
ودعا إلى تسهيل إجراءات التسويق الزراعي والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في الولايات المتحدة وتونس وموسكو، حيث تعتمد بعض الدول على إنشاء شركات شبه حكومية تشارك فيها الدولة بنسبة محدودة لا تتجاوز 15%، مع إتاحة المجال للمستثمرين لتطوير الإنتاج، بما يعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
استثمار المقومات الزراعية لتحقيق التنمية المستدامة
وأكد الشرقاوي أن مصر تمتلك العديد من المقومات الإيجابية في القطاع الزراعي، بما في ذلك الجهود المتزايدة لمواجهة التعديات على الأراضي الزراعية. مشددًا على أن استثمار هذه المقومات، إلى جانب تحسين العائد الاقتصادي، وتطوير التعليم الزراعي، وتنظيم الأسواق، يمثل الطريق الأمثل لتحقيق تنمية زراعية مستدامة تدعم الاقتصاد الوطني وتعزز مكانة مصر على الصعيدين الإقليمي والدولي.