في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد من تباطؤ النمو وارتفاع التكلفة، تُعلن البنوك العاملة في مصر عن قفزات غير مسبوقة في الأرباح. هذه المفارقة تثير تساؤلًا جوهريًا: كيف يزدهر القطاع المصرفي بينما يعاني الاقتصاد الحقيقي؟
منذ 2022، اتجهت السياسة النقدية إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة حادة في محاولة لكبح التضخم ودعم العملة. وحسب بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع سعر عائد الإيداع والإقراض إلى مستويات تاريخية، وهو ما انعكس مباشرة على أرباح البنوك.
الفائدة المرتفعة تعني أن البنوك تعيد تسعير القروض بعوائد أعلى، والهوامش الربحية (Net Interest Margin) تتسع، وتكلفة الودائع ترتفع بوتيرة أبطأ من عوائد التوظيف، ما يؤدي إلى زيادة صافية في دخل الفوائد، حتى مع تراجع الإقراض للقطاع الخاص.
وتشير بيانات وزارة المالية المصرية إلى أن البنوك تستحوذ على النصيب الأكبر من أذون وسندات الخزانة الحكومية، مستفيدة من العوائد المرتفعة التي تجاوزت في بعض الطروحات 25% سنويًا.
وهذا التوظيف يتميز بعائد مرتفع ومخاطر شبه منعدمة وسيولة عالية وعدم الحاجة إلى مجهود ائتماني أو متابعة تشغيلية.
وحسب تقارير دورية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع الدين المحلي الحكومي بشكل ملحوظ، ما وفر للبنوك فرص توظيف آمنة وكثيفة في أدوات الدين. فالدولة أصبحت أكبر عميل للبنوك، وأكثرهم ربحية.
لماذا تفضل البنوك الدين الحكومي على تمويل الإنتاج؟
في فترات الركود، يتراجع الطلب على الائتمان الاستثماري، وترتفع مخاطر التعثر، وتصبح تكلفة التمويل عبئًا على الشركات. وفي المقابل، توفر أدوات الدين الحكومي
عائدًا أعلى من كثير من الأنشطة الإنتاجية، كما توفر مخاطر أقل من تمويل الصناعة أو الزراعة، إضافة إلى أرباح سريعة ومستقرة. وهنا تميل البنوك –بحكم المنطق التجاري– إلى توظيف السيولة في الدين الحكومي بدلًا من الاقتصاد الحقيقي.
مخاطر الاعتماد المفرط على الدين الحكومي
رغم الأرباح القياسية، يحذر اقتصاديون وتقارير دولية من مخاطر هيكلية طويلة الأجل، أبرزها تزاحم الائتمان (Crowding Out) حيث تقل الموارد المتاحة لتمويل القطاع الخاص، ما يضعف الاستثمار والنمو.
كما ترتبط ربحية البنوك بالسياسة المالية للدولة، أي تراجع في قدرة الحكومة على الاقتراض أو خفض الفائدة قد يضغط على أرباح البنوك فجأة.
كما ضعف الدور التنموي للقطاع المصرفي، إذ تتحول البنوك من محرك للنمو إلى ممول للدين فقط.
وتشير تحليلات صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصادات الناشئة التي تعتمد بشدة على تمويل العجز عبر البنوك تواجه مخاطر تباطؤ النمو وارتفاع هشاشة النظام المالي.