في خطوة تهدف إلى تنويع الأدوات الاستثمارية الحكومية وتوسيع قاعدة المستثمرين من المواطنين من خلال إتاحة منتجات ادخارية واستثمارية جديدة وآمنة تلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع، طرحت الحكومة خلال الأيام الماضية «سند المواطن» للأفراد بعائد دوري ثابت يصرف شهريا ولمدة 18 شهرا، عبر مكاتب البريد المنتشرة في ربوع الجمهورية.
وليد عادل: العائد الحقيقي مرهون بالتضخم وليس نسبة الفائدة
وتعليقا على ذلك قال وليد عادل الخبير المصرفي، إن طرح «سند المواطن» عبر البريد المصري يمثل خطوة مهمة من جانب وزارة المالية لتوسيع قاعدة مشاركة الأفراد في أدوات الدين الحكومي، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة قراءة التفاصيل جيدًا قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
وأوضح عادل أن «سند المواطن» هو في جوهرة أداة دين حكومية موجهة للأفراد، تتيح للمواطن الاستثمار المباشر في سندات الخزانة بدلًا من اقتصارها تاريخيًا على المؤسسات والبنوك، وتفتح الباب أمام المواطن العادي ليكون ممولًا مباشرًا للموازنة العامة، مقابل عائد ثابت ودوري.
وأشار الخبير المصرفي إلى أن العائد الاسمي البالغ 17.75% سنويًا يُعد رقمًا جاذبًا من الناحية التسويقية، لكنه ليس العائد الصافي الذي يدخل جيب المستثمر، موكدا "يجب التفرقة بين العائد الاسمي والعائد بعد الضريبة، فالقانون يفرض ضريبة حجب بنسبة 20% على عوائد السندات الحكومية، هذه الضريبة تُخصم من الفائدة وليس من أصل رأس المال، لكنها في النهاية تخفض العائد الفعلي إلى نحو 14% سنويًا تقريبًا".
وأضاف أن تجاهل هذا التفصيل قد يؤدي إلى سوء تقدير حقيقي للعائد، خاصة لدى صغار المستثمرين الذين يقارنون فقط بالأرقام المعلنة دون احتساب الأثر الضريبي.
وأكد وليد عادل أن أبرز نقاط قوة «سند المواطن» تكمن في عنصر الأمان، موضحًا، "السند مضمون من الحكومة، وبالتالي درجة المخاطر الائتمانية منخفضة للغاية مقارنة بالأسهم أو بعض الأدوات الاستثمارية الأخرى".
ولفت إلى أن صرف العائد بشكل شهري يمنح المستثمر تدفقًا نقديًا منتظمًا، وهو ما قد يكون مناسبًا لأصحاب الدخول الثابتة أو من يبحثون عن دخل إضافي دوري، وأشار كذلك إلى ميزة إمكانية استخدام السند كضمان للحصول على تمويل مصرفي، وهو عنصر مرونة قد لا يتوافر في جميع شهادات الادخار.
وفي المقابل، حذر عادل من ضعف السيولة النسبية للأداة، موضحًا أن مدة الاستثمار البالغة 18 شهرًا تعني أن التخارج المبكر قد يخضع لشروط أو قيود، ما يجعلها أقل مرونة مقارنة بالحسابات الجارية أو بعض الشهادات قصيرة الأجل.
وشدد الخبير المصرفي على أن الحكم النهائي على جدوى الاستثمار لا يتوقف عند نسبة العائد الصافي فقط، بل يجب مقارنته بمعدلات التضخم، قائلا "إذا كان التضخم يدور حول أو أعلى من 14%، فإن العائد الحقيقي – أي بعد خصم التضخم – قد يكون محدودًا للغاية، المستثمر الذكي لا ينظر فقط إلى نسبة الفائدة، بل إلى القوة الشرائية لأمواله بعد نهاية المدة".
ونوه الخبير المصرفي إلى أن «سند المواطن» ليس فرصة ذهبية مطلقة ولا فخًا ماليًا، بل أداة ادخارية لها مزايا وقيود، مشيرا إلى "القرار يعتمد على هدف المستثمر، إذا كان يبحث عن دخل شهري ثابت وأمان مرتفع ومستعد لربط أمواله 18 شهرًا، فقد يكون مناسبًا له. أما إذا كانت الأولوية للسيولة أو التحوط القوي ضد التضخم، فربما توجد أدوات أخرى أكثر ملاءمة".
وأكد أن التقييم السليم لأي منتج مالي يجب أن يقوم على فهم العائد الصافي، والضرائب، والسيولة، والتضخم، وليس فقط الرقم الجذاب في الإعلان.
محمود نجلة: توسع قاعدة الدين الحكومي وتأثيرها على البنوك محدود
من ناحيته أكد محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق الدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن طرح «سند المواطن» يمثل قناة تمويل إضافية تستهدف شريحة الأفراد، وتمنح الحكومة أداة جديدة لتنويع مصادر التمويل بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على المؤسسات والبنوك.
وقال نجلة إن السندات الجديدة تأتي في توقيت مهم، في ظل تحركات السياسة النقدية الأخيرة من جانب البنك المركزي المصري، موضحًا أن جاذبية المنتج لا ترتبط فقط بمستوى العائد، بل أيضًا بسهولة الوصول إليه وانتشاره الجغرافي.
وأضاف، "رغم إعلان عدد من البنوك الإبقاء على أسعار الفائدة الحالية لشهادات الادخار عند نفس المستويات، حتى مع اتجاه البنك المركزي لخفض الفائدة في آخر اجتماعات لجنة السياسة النقدية، فإن «سند المواطن» سيظل جذابًا لشريحة واسعة من المدخرين، خاصة الباحثين عن بديل ادخاري متوسط الأجل بعائد ثابت".
وأشار نجلة إلى أن انتقال بعض العملاء من الجهاز المصرفي إلى شراء السند عبر البريد المصري قد يظل في نطاق محدود ومرتبط بشرائح بعينها، مؤكدا أن الانتشار الواسع لفروع البريد المصري في مختلف المحافظات يمنح المنتج ميزة تنافسية مهمة، خاصة في المناطق التي تقل فيها الكثافة المصرفية.
وأوضح، "مدة السند البالغة 18 شهرًا أقصر من بعض الشهادات البنكية، وبالتالي قد تجذب عملاء يفضلون الربط لفترة متوسطة، لكن في المقابل ستظل هناك شرائح متمسكة بالبنوك لأسباب تتعلق بالخدمات المتكاملة أو المرونة أو العلاقة المصرفية القائمة".
وفي سياق متصل، اعتبر نجلة أن السندات الجديدة تمثل أداة فعالة لامتصاص السيولة التي خرجت مؤخرًا من البنوك نتيجة انتهاء استحقاقات الشهادات مرتفعة العائد، في وقت لا تتوافر فيه بدائل ادخارية بنفس الجاذبية السابقة.
وقال، "امتصاص السيولة عبر آليات ادخار أو استثمار جديدة يساهم في إعادة توجيه المدخرات بعيدًا عن الاستهلاك، ما يحد من الضغوط على الطلب الكلي، وبالتالي يساهم في السيطرة على القوى الشرائية للأفراد".
وأضاف أن اجتذاب هذه السيولة إلى أدوات منظمة يسهم في الحد من موجات تضخمية جديدة، أو على الأقل دعم وتيرة التراجع التي بدأت تظهر خلال الأشهر الأخيرة.
ونوه نجلة إلى أن نجاح «سند المواطن» سيعتمد في النهاية على وضوح آلياته التنفيذية، وسهولة الاكتتاب، ومدى وعي الأفراد بطبيعته كأداة ادخارية متوسطة الأجل ذات عائد ثابت، وليست بديلاً كاملاً لكل المنتجات المصرفية.
سهر الدماطي: السند ليس منافسا مباشرا للشهادات البنكية
وبدورها استبعدت سهر الدماطي نائب رئيس بنك مصر سابقًا، والخبيرة المصرفية، أن يمثل «سند المواطن» منافسًا مباشرًا للشهادات البنكية، مشيرة إلى أن الأخيرة تتمتع بتنوع أكبر في الآجال وخيارات متعددة لدورية صرف العائد، بما يمنح المودعين قدرًا أعلى من المرونة في إدارة مدخراتهم.
وقالت الدماطي إن المنتج الجديد لا يهدف بالضرورة إلى مزاحمة البنوك بقدر ما يوفر قناة إضافية لاستيعاب السيولة، خاصة في ظل بحث شريحة من الأفراد عن بدائل ادخارية مستقرة.
وتوقعت الدماطي أن يشهد «سند المواطن» إقبالًا ملحوظًا في القرى والنجوع، مستفيدا من الانتشار الواسع لفروع البريد المصري في مختلف المحافظات والمراكز.
وأوضحت أن العائد التنافسي الذي يقترب من 18%، إلى جانب صرفه بصورة شهرية، يجعلان المنتج جذابًا لشريحة واسعة من العملاء الباحثين عن دخل منتظم ومستقر، وأشارت إلى أن "السند الجديد يوفر معادلة يبحث عنها كثير من صغار المدخرين، عائد مناسب مع تدفق نقدي شهري واضح".
وأضافت أن السند قد يستقطب جزءًا من السيولة الناتجة عن استحقاقات الشهادات مرتفعة العائد في مصر، خاصة من قبل صغار المدخرين الذين لا يملكون القدرة المالية للاستثمار في العقارات، أو الخبرة الكافية للتعامل مع البورصة، أو الرغبة في تحمل تقلبات أسعار الذهب والمعادن.
وأكدت الدماطي أن الميزة الأساسية للمنتج تكمن في اعتماده على شبكة البريد المنتشرة جغرافيًا، ما يفتح المجال أمام فئات لا تتعامل بالأساس مع الجهاز المصرفي التقليدي.
كما أشارت إلى أن الحد الأدنى للاكتتاب، البالغ نحو 10 آلاف جنيه، يعزز فرص انتشار السند بين أصحاب المدخرات الصغيرة والمتوسطة، مقارنة ببدائل استثمارية أخرى تتطلب رؤوس أموال أكبر مثل العقار، أو لا توفر عائدًا دوريًا منتظمًا مثل الذهب والفضة.
وأكدت الدماطي على أن نجاح «سند المواطن» سيتوقف على مدى وعي الجمهور بطبيعته كأداة ادخارية متوسطة الأجل بعائد ثابت، وليس كبديل شامل لكافة الأوعية الاستثمارية المتاحة في السوق.