الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
تقسيط تقسيط

لماذا أصبح التقسيط خيار الشراء الأول في مصر؟

في ظل أزمة اقتصادية ممتدة وارتفاعات متتالية في الأسعار، مقابل دخول ثابتة أو متراجعة، لم يعد الشراء بالتقسيط مجرد أداة تمويل إضافية، بل تحوّل إلى الخيار الرئيسي لكثير من الأسر المصرية عند اتخاذ قرار الشراء.

تكشف بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية عن طفرة واضحة في نشاط التمويل الاستهلاكي، تعكس تحولاً جوهرياً في سلوك المستهلك المصري خلال السنوات الأخيرة. فبحسب أحدث التقارير، بلغ إجمالي التمويلات المقدمة من شركات التقسيط نحو 66.03 مليار جنيه بنهاية الربع الثالث من 2025، مقارنة بـ41.9 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2024، مسجلاً نمواً يناهز 57.5%.

ولم يقتصر النمو على قيمة التمويلات فقط، بل امتد إلى عدد المستفيدين، الذي قفز إلى نحو 8.09 مليون عميل، مقابل 2.89 مليون في العام السابق، بزيادة تقارب 180%، ما يعكس توسعاً كبيراً في قاعدة المتعاملين مع خدمات التقسيط.

وتشير البيانات إلى تنوع السلع الممولة، إذ استحوذت الأجهزة الكهربائية والإلكترونية على نحو 17–18% من إجمالي التمويلات، إلى جانب السيارات والمركبات والهواتف المحمولة والأثاث المنزلي، ما يؤكد أن التقسيط بات أداة شراء يومية في مختلف القطاعات.

ضغط اقتصادي يعيد تشكيل سلوك الشراء

يربط خبراء الاقتصاد بين هذا الانتشار اللافت وارتفاع معدلات التضخم، بالتزامن مع تباطؤ نمو الدخول الحقيقية للأسر. فالدفع النقدي الفوري أصبح عبئاً يصعب تحمله، بينما يتيح التقسيط توزيع تكلفة السلعة على فترات زمنية تمتد لأشهر أو سنوات، ما يخفف الضغط عن الميزانيات المنزلية في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة.

كما يتقاطع هذا التحول مع تغيرات في أنماط الاستهلاك، إذ أصبح كثير من المصريين يخططون لمشترياتهم مسبقاً ويقارنون بين عروض التمويل المختلفة، ما يجعل التقسيط أداة للتسوق الرشيد، خاصة في السلع مرتفعة القيمة مثل الأجهزة والسيارات.

وشهدت السوق تطوراً في نماذج التمويل، مع بروز خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» (BNPL)، التي تتميز بالمرونة وسرعة الإجراءات مقارنة بالتمويل المصرفي التقليدي، رغم عدم وجود تنظيم مستقل خاص بها حتى الآن. وتعتمد هذه النماذج بشكل أساسي على التكنولوجيا المالية وتقييم الجدارة الائتمانية عبر البيانات الرقمية، ما يسهل الوصول إلى التمويل دون تعقيدات إقراضية مطولة.

أثر اقتصادي يتجاوز المستهلك

لا يتوقف تأثير التوسع في التقسيط عند حدود المستهلك، بل يمتد إلى دعم الطلب المحلي وتنشيط حركة البيع لدى التجار والمصنعين، بما يسهم في استمرار دوران النشاط الاقتصادي، وإن ظل مصحوباً بمخاطر تتعلق بارتفاع أعباء الفوائد على الأفراد.

ويرى بعض المتخصصين أن نمو التمويل الاستهلاكي يعزز الشمول المالي، ويحد من هيمنة التعاملات النقدية، كما يساهم في بناء قواعد بيانات ائتمانية أوسع، تدعم تطور القطاع المالي ككل.

غير أن هذا النمو السريع يثير تساؤلات حول المخاطر المحتملة، خصوصاً في حال غياب رقابة كافية لحماية المستهلك من الإفراط في الاستدانة، أو إذا شهدت أسعار الفائدة ارتفاعات جديدة تزيد من تكلفة السداد، بما قد يؤثر سلباً على الاستقرار المالي للأسر على المدى الطويل.