الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
سفينة شحن سفينة شحن

"حلول للسياسات البديلة":

حصار مضيق هرمز يوقف إمدادات الطاقة العالمية

فرضت إيران حصارًا فعليًا على مضيق هرمز، ما أدى إلى توقف 94% من حركة الملاحة البحرية في المنطقة، وسط تقارير تُشير إلى استهداف ما لا يقل عن عشر ناقلات نفط حاولت المرور عبر المضيق. وباعتباره الممر الملاحي الأكثر حيوية في العالم وأهم ممرات تجارة النفط، يُمثل حصار مضيق هرمز  تهديدًا وجوديًا لاستقرار الاقتصاد العالمي.

تناول إصدار الأسبوع الحالي من نشرة مشروع حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة “عدسة”، محاولة لفهم مضيق هرمز، وتأثير إغلاقه على استقرار الاقتصاد العالمي. وفي السطور التالية نرصد ما تناوله تقرير “حلول للسياسات البديلة”.

مضيق هرمز.. ورقة ضغط سياسية

يُعد مضيق هرمز ممرًا مائيًا ضيقًا يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح. وبينما تقع ممرات الملاحة البحرية بشكل رئيسي داخل المياه الإقليمية العُمانية وتخضع لقواعد القانون البحري الدولي، إلا أن إيران تسيطر فعليًا على مناطق استراتيجية عند المدخل الشمالي للمضيق وعلى عدد من الجزر الصغيرة المطلة على خطوط الملاحة.

لطالما استخدمت إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية؛ ويكتسب هذا التهديد ثقلًا كبيرًا نظرًا للتداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة. فخلال الحرب العراقية -الإيرانية (1980-1988)، أدت التهديدات التي طالت المضيق إلى طفرة حادة في أسعار النفط الخام، حيث ارتفع سعر البرميل بنسبة 252% بين 1979 و1981. كما شنّ الطرفان هجمات انتقامية على ناقلات النفط التجارية، فيما عُرف بـ "حرب الناقلات"، مما أسفر عن انخفاض مبدئي بنسبة 25% في حركة الشحن التجاري. كما ارتفعت أقساط التأمين بشكل حاد، مما أثار قلقًا عالميًا بشأن احتمال انقطاع إمدادات الطاقة.

وأظهرت إيران مجددًا قدرتها على توظيف المضيق كأداة تفاوض جيو-سياسية خلال مفاوضات الملف النووي في بداية العقد الماضي. فعندما فرضت القوى الغربية عقوبات متصاعدة وحظرًا نفطيًا للحد من الطموحات النووية الإيرانية، ردّ مسؤولون إيرانيون بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز. وقد أدى هذا التصعيد بين عامي 2011 و2012 إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو أربعة دولارات للبرميل. وفي عام 2019، عندما أثارت سلسلة من الهجمات على ناقلات نفط دولية قرب المضيق حالة من القلق العالمي، واحتجز الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني، مما أدى إلى زيادة يومية في أسعار النفط بنسبة 4%.

الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز

يُعد أي اضطراب في مضيق هرمز بمثابة قطعٍ لإمدادات الطاقة عن النشاط الصناعي العالمي.  ففي عام 2024، تم نقل ما يقرب من 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية عبر المضيق، أو ما يعادل 20% تقريبًا من الاستهلاك العالمي من النفط السائل وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا.

كما يربط مضيق هرمز مراكز الإنتاج الرئيسية في الخليج بكبار المستهلكين في أوروبا وآسيا. وقد استحوذت السعودية والعراق والكويت على الحصة الأكبر من النفط الخام والمنتجات البترولية العابرة للمضيق خلال الفترة من 2020 وحتى الربع الأول من عام 2025. كما أسهمت السعودية وحدها بحوالي 38% من النفط الخام العابر للمضيق خلال الفترة نفسها، بينما عبر 83% من الغاز الطبيعي المُسال (LNG) إلى الأسواق الآسيوية.

وتستحوذ الدول الآسيوية المستوردة - وبصفة خاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية - على 75% من تدفقات النفط و59% من تدفقات الغاز الطبيعي المُسال المارة عبر المضيق. وتُعد هذه الدول الأربع من أكبر عشر دول صناعية في العالم، بينما تنفرد الصين بكونها القوة الصناعية العظمىالوحيدة عالميًا.

لذا، فإن أي اضطراب، ولو كان وجيزًا، في حركة الملاحة البحرية يمكن أن يؤثر بصورة فورية على الإمدادات العالمية، إذ من شأنه أن يغلق منفذ التصدير الرئيسي لاقتصادات تعتمد هيكليًا على عائدات النفط. فعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي صادرات السعودية من النفط الخام في عام 2024 حوالي 6 ملايين برميل يوميًا، مرّ منها قرابة 5 ملايين برميل يوميًا عبر مضيق هرمز.

التكلفة الاقتصادية لإغلاق المضيق

سجلت أسعار النفط قفزة حادة عقب الغلق الإيراني للمضيق، إذ ارتفع خام برنت، وهو المؤشر المرجعي العالمي، أكثر من 5% ليصل مؤقتًا إلى 82 دولارًا للبرميل في 3 مارس، وهو أعلى مستوى له منذ يناير 2025. كما قفز السعر القياسي للغاز في أوروبا بنسبة 50% في 2 مارس. وقد أدى انسحاب الشركات التجارية وشركات النفط الكبرى وشركات التأمين من الممر الملاحي إلى حدوث صدمات في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المُسال، ما أسفر عن ارتفاع أسعار كلتا السلعتين. وتوجد حاليًا أكثر من 700 ناقلة عالقة في الخليج العربي وبحر العرب، نظرًا لتعذر عبور المضيق فعليًا. وعلى الرغم من استمرار عمليات التحميل، فإن حذر مالكي السفن وتأخير إبرام عقود الشحن يحدّان من حجم البراميل التي يتم تسليمها.  ويعزز هذا الأمر استمرار بقاء علاوة المخاطر عند مستويات مرتفعة - وهي تكلفة إضافية تُضاف إلى سعر النفط تحسبًا لاحتمال وقوع اضطرابات - مما يضمن بقاء أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة.

وفي حال الإغلاق الكامل للمضيق، فإن خروج ما يتراوح بين 17 و20 مليون برميل يوميًا من الأسواق سيُشكل أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ أسواق النفط، متجاوزًا الحظر العربي عام 1973 (حوالي 4.4 مليون برميل يوميًا) بأربعة أضعاف. ومن شأن هذه الصدمة في المعروض أن تتحول إلى موجة تضخمية عالمية، إذ إن زيادة أسعار النفط بنسبة 10% سوف ترفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.4%. وبالإضافة إلى ذلك، تتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين مع استحواذ الإنفاق على الطاقة على حصة أكبر من دخل الأسر؛ وتتدهور ثقة قطاع الأعمال والمستهلكين، بما يقلّص فرص الاستثمار والإنفاق التقديري؛ كما تتصاعد الضغوط التي تتعرض لها الأسواق المالية والتي تؤدي بدورها إلى تقييد الشروط الائتمانية.

تداعيات الإغلاق على مصر

قد يُشكّل إغلاق مضيق هرمز تهديدًا وجوديًا للاقتصاد المصري؛ حيث يُتوقع أن تشهد إيرادات قناة السويس تراجعًا حادًا إذا اضطرت السفن إلى تحويل مسارها عبر رأس الرجاء الصالح. وتُعد القناة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، إذ حققت إيرادات بلغت حوالي 3.9 مليار دولار خلال عام 2024. وتواجه مصر بالفعل عجزًا في إمدادات الغاز؛ إذ أصبحت مستوردًا صافيًا للغاز الطبيعي المُسال منذ عام 2024. وقد يؤدي الحصار واستمرار الحرب إلى زيادة الضغط على تدفقات الغاز إلى البلاد. كما شهدت استثمارات الحافظة الأجنبية في مصر تدفقات خارجة صافية بقيمة 1.8 مليار دولار على الأقل خلال الأسبوعين السابقين مباشرة للهجمات على إيران، مع توقعات باستمرار هذا الوضع. ويؤدي خروج الأموال الساخنة بدون ضوابط إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي، مما يؤدي إلى تراجع قيمة العملة المحلية وتسارع معدلات التضخم. وبالفعل، تراجعت قيمة الجنيه المصري ليتجاوز حاجز 50 جنيهًا للدولار، مسجلًا أدنى مستوياته منذ يونيو الماضي.

هل يمكن احتواء الأزمة والحد من تداعياتها؟ آفاق الحل والمعالجة

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيهات إلى "مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية" (DFC) بتوفير التأمين ضد المخاطر السياسية، مع تأهب البحرية الأمريكية لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، غير أن تأمين المضيق يتطلب جهدًا دوليًا هائلًا. حتى في حال تنفيذ هذه الإجراءات، فإن الضمانات المالية وعمليات المرافقة العسكرية لا توفر سوى تخفيف محدود للمخاطر، في ظل تضاؤل النافذة الزمنية المتاحة لتفادي حدوث صدمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق.