تشهد الأسواق المصرية موجة ملحوظة من ارتفاع الأسعار في عدد كبير من السلع الغذائية، وسط تأثيرات متشابكة بين التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وارتفاع سعر الدولار، وزيادة تكاليف الإنتاج ومدخلاته، إلى جانب عوامل موسمية ومناخية أثرت على حجم المعروض من بعض السلع.
وتزامنت هذه الزيادات مع زيادة الطلب خلال شهر رمضان، ما أدى إلى ضغوط إضافية على الأسواق، في وقت تتباين فيه التفسيرات بين ارتفاع حقيقي في تكاليف الإنتاج والاستيراد، وبين اتهامات لبعض التجار باستغلال الأوضاع الإقليمية لرفع الأسعار، وبين هذه العوامل المختلفة، تتحرك أسعار اللحوم والدواجن والخضروات صعودًا بدرجات متفاوتة، بينما تتجه الحكومة والبرلمان لتشديد الرقابة على الأسواق.
الحكومة: المخزون الاستراتيجي من السلع يكفي عدة أشهر
أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة وضعت سيناريوهات للتعامل مع تداعيات الأزمة الحالية منذ أشهر، مشددًا على أن الدولة لن تسمح بأي ممارسات احتكارية أو استغلال للأوضاع الإقليمية لرفع الأسعار.
وأوضح أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية يكفي لعدة أشهر، مشيرًا إلى أن الحكومة تتابع الأسواق بشكل مستمر لضمان توافر السلع واستقرار الأسعار.
3000 جنيه زيادة فى سعر طن الأعلاف
قال سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن أسعار الأعلاف سجلت زيادة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، حيث ارتفع سعر طن العلف بمقدار 3000 ليسجل نحو 25 ألف جنيه، مقارنة ب 22 ألف جنيه قبل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في إيران وارتفاع سعر الدولار، لافتاً إلى أن الأعلاف تمثل نحو 75% من إجمالي تكلفة إنتاج الدواجن، ما يجعل أي زيادة في أسعارها تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج داخل المزارع.
وأضاف أن سعر كيلو الدواجن داخل المزارع وصل إلى نحو 105 جنيهات، بينما يتراوح سعر البيع للمستهلك في الأسواق بين 120 و125 جنيهًا للكيلو، نتيجة إضافة تكاليف النقل والتداول وهوامش الربح عبر حلقات سلسلة التوريد المختلفة، مشيرا إلى أن زيادة الطلب خلال شهر رمضان تمثل عاملًا موسميًا معتادًا في ارتفاع الأسعار، إلا أن هذا العام تزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما أدى إلى زيادات أكبر من المعتاد.
ورغم ذلك، أكد السيد أن جزءًا من الزيادات الأخيرة قد يكون غير مبرر، خاصة مع توافر مخزون استراتيجي من الأعلاف داخل البلاد يكفي لنحو 9 أشهر، إلى جانب استقبال السوق شحنات جديدة من فول الصويا تقدر بنحو 135 ألف طن.
وأوضح أن مستقبل أسعار الدواجن خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، أبرزها تطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة وحركة سعر الدولار وتكاليف استيراد مدخلات الإنتاج.
شعبة القصابين: ضعف الثروة الحيوانية والاعتماد على الاستيراد يدفعان أسعار اللحوم للصعود
قال سعيد زغلول، نائب رئيس شعبة القصابين باتحاد الغرف التجارية، إن أسعار اللحوم بدأت تتحرك صعودًا خلال الفترة الأخيرة بالتزامن مع ارتفاع سعر الدولار، مشيرًا إلى أن السوق المحلية أصبحت أكثر تأثرًا بتقلبات العملة نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد في توفير جزء من احتياجاتها.
وأوضح زغلول أن السوق المصرية تعاني منذ سنوات من ضعف إدارة ملف الثروة الحيوانية والزراعية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي من اللحوم والأعلاف، وهو ما دفع البلاد إلى الاعتماد بشكل متزايد على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق.
وأضاف أن هذا الوضع يجعل الأسعار عرضة لتقلبات سريعة وغير متوقعة مع أي تغير في سعر الدولار أو تكاليف الاستيراد، خاصة في ظل الاضطرابات الاقتصادية والتوترات الإقليمية التي تؤثر على حركة التجارة العالمية.
وأشار إلى أن بعض التجار يستغلون المواسم وفترات زيادة الطلب، مثل الأعياد والمناسبات، لرفع أسعار الماشية واللحوم، لافتًا إلى أن السوق المصرية تُعد سوقًا موسمية بطبيعتها، حيث ترتفع الأسعار في فترات معينة نتيجة زيادة الطلب وقلة المعروض.
وأوضح أن الأزمة قد تتفاقم في حال انخفاض المعروض من الماشية في الأسواق أو تراجع كميات اللحوم المستوردة، خاصة في ظل ارتفاع سعر الدولار وصعوبة الاستيراد، وهو ما قد يدفع المواطنين للاعتماد بشكل أكبر على محال الجزارة بأسعار مرتفعة.
ودعا زغلول إلى ضرورة التوسع في استغلال الأراضي الصحراوية لزراعة الأعلاف وتنمية الثروة الحيوانية، بما يقلل من الاعتماد على الاستيراد ويعزز استقرار السوق، مؤكدًا أن التوسع في هذه المشروعات يمكن أن يحقق ثروة حيوانية حقيقية تسهم في استقرار أسعار اللحوم في السوق المحلي، وتعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات والتقلبات العالمية.
شعبة الخضروات: الصقيع يضرب المحاصيل ويرفع أسعار الطماطم والباذنجان
أكد حاتم نجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات باتحاد الغرف التجارية، أن موجة الصقيع الأخيرة أثرت بشكل كبير على إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار في الأسواق.
وأوضح أن محصول الباذنجان كان من أكثر المحاصيل تضررًا بسبب شدة البرودة، كما تأثرت محاصيل الطماطم والليمون والجزر والبصل، الأمر الذي انعكس على أسعارها في الأسواق.
وأشار إلى أن سعر كيلو الطماطم يتراوح حاليًا بين 20 و25 جنيهًا، بينما يتراوح سعر الباذنجان بين 30 و40 جنيهًا، والفلفل بين 30 و35 جنيهًا في أسواق التجزئة.
وأضاف أن السوق تمر حاليًا بمرحلة انتقالية بين نهاية موسم الشتاء وبداية المحاصيل الصيفية، متوقعًا أن تبدأ الأسعار في التراجع خلال الأسابيع المقبلة مع دخول الإنتاج الجديد وارتفاع درجات الحرارة.
«مواطنون ضد الغلاء»: أسعار اللحوم والدواجن ارتفعت 15%
قال محمود العسقلاني، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، إن الأسواق المصرية شهدت خلال الفترة الأخيرة موجة من الارتفاعات في أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية، وعلى رأسها اللحوم والدواجن، موضحًا أن الزيادات المسجلة قاربت نحو 15% في بعض المنتجات خلال فترة قصيرة.
وأوضح العسقلاني أن جزءًا من هذه الزيادات ارتبط بحالة الترقب التي تسود الأسواق مع تحركات سعر الدولار، حيث يقوم بعض التجار بتحريك الأسعار سريعًا بمجرد تداول أنباء عن ارتفاع سعر العملة الأجنبية، تحسبًا لزيادة تكاليف الاستيراد أو التعرض لخسائر محتملة في حالة استمرار صعود الدولار.
وأشار إلى أن نسب الزيادة في الأسعار تختلف من سلعة إلى أخرى، إلا أنها تبدو أكثر وضوحًا في السلع المستوردة أو التي تعتمد في إنتاجها على خامات مستوردة من الخارج، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بتقلبات سعر الصرف وتكاليف الشحن والنقل.
وأضاف أن الأسواق تمر حاليًا بحالة من الحساسية الشديدة تجاه أي تطورات اقتصادية أو سياسية، حيث ينعكس ذلك سريعًا على حركة الأسعار، سواء نتيجة ارتفاع فعلي في التكلفة أو نتيجة تحركات استباقية من بعض التجار تحسبًا لتقلبات السوق.
ولفت العسقلاني إلى أن جزءًا من الارتفاع الذي شهدته العملة الأجنبية خلال الفترة الأخيرة يرتبط بحركة ما يُعرف بـ«الأموال الساخنة»، وهي الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل التي تدخل الأسواق الناشئة للاستفادة من فروق أسعار الفائدة، ثم تخرج سريعًا عند حدوث أي اضطرابات أو توترات اقتصادية.
وأوضح أن اتجاه بعض المستثمرين إلى سحب هذه الأموال من الأسواق خلال الفترة الأخيرة ساهم في زيادة الضغط على العملة المحلية، الأمر الذي انعكس بدوره على تكلفة الاستيراد وأسعار عدد من السلع في الأسواق.
وشدد رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء» على ضرورة تكثيف الرقابة على الأسواق خلال هذه المرحلة، لمنع أي ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة في الأسعار، خاصة في ظل حساسية الأوضاع الاقتصادية الحالية وزيادة الأعباء على المواطنين.
وأكد أن حماية المستهلك من موجات الغلاء تتطلب توازنًا بين متابعة تكاليف الإنتاج الحقيقية ومنع استغلال الأزمات أو تداول الشائعات الاقتصادية في رفع الأسعار دون مبرر.
تحركات برلمانية لمواجهة موجة الغلاء ومطالب بتشديد الرقابة على الأسواق
أثارت موجة الارتفاعات الأخيرة في أسعار السلع الغذائية حالة من الجدل داخل مجلس النواب، حيث تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة موجهة إلى الحكومة لمناقشة أسباب الزيادات المفاجئة التي شهدتها الأسواق خلال الفترة الماضية، خاصة في أسعار اللحوم والدواجن والخضروات.
وطالب النواب بضرورة توضيح الأسباب الحقيقية وراء هذه الارتفاعات، وما إذا كانت مرتبطة بزيادة فعلية في تكاليف الإنتاج والاستيراد، أم نتيجة ممارسات غير مبررة من بعض التجار الذين يستغلون الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية لرفع الأسعار.
وأكد عدد من أعضاء المجلس أهمية تكثيف الحملات الرقابية على الأسواق، وتشديد الرقابة على حلقات تداول السلع المختلفة، لضمان عدم وجود ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة في الأسعار، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المواطنون.
كما شدد النواب على ضرورة التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية، وعلى رأسها وزارات التموين والتجارة الداخلية والزراعة، إلى جانب الأجهزة الرقابية، لضبط الأسواق وضمان توافر السلع الأساسية بكميات كافية ومنع أي محاولات لتخزينها أو حجبها عن التداول بهدف رفع الأسعار.
ودعا بعض النواب إلى اتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد التجار الذين يثبت تورطهم في استغلال الأزمات الدولية أو التوترات الإقليمية لرفع أسعار السلع دون مبرر حقيقي، مؤكدين أن حماية المواطنين من موجات الغلاء تمثل أولوية في المرحلة الحالية.
وأشاروا إلى أن الأزمات العالمية والتقلبات الاقتصادية قد تؤثر على الأسواق بدرجات متفاوتة، لكن ذلك لا يبرر حدوث زيادات مبالغ فيها في أسعار السلع، مطالبين بضرورة متابعة تطورات الأسواق بشكل يومي والتدخل السريع عند حدوث أي اختلالات في الأسعار أو المعروض.
حماية المستهلك: حملات مكثفة لضبط الأسعار وتحرير محاضر ضد المخالفين
أكد إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك، أن الجهاز يواصل تنفيذ حملات رقابية مفاجئة وموسعة على الأسواق بمختلف المحافظات لمتابعة حركة تداول السلع والتأكد من التزام التجار بالإعلان عن الأسعار وبيع المنتجات وفق الأسعار المعلنة، في ظل المتغيرات الإقليمية والضغوط الاقتصادية الأخيرة.
وأوضح السجيني أن الحملات الرقابية كشفت عن قيام بعض التجار بالتلاعب بأسعار عدد من السلع رغم توافرها في الأسواق ووجود مخزون استراتيجي يكفي احتياجات المواطنين، وهو ما أدى إلى تحرير عدد من المحاضر ضد المخالفين، كان أبرزها عدم الإعلان عن الأسعار، وهي مخالفة تتيح للبعض بيع السلعة بأسعار مختلفة للمستهلكين.
وأشار إلى أن الإجراءات القانونية تجاه المخالفين تم اتخاذها بالفعل، مع إحالة المحاضر إلى النيابة العامة، لافتًا إلى أن العقوبات المقررة تتراوح بين 500 ألف جنيه ومليوني جنيه، مع تشديد العقوبة في حال تكرار المخالفة.
وشدد السجيني على أن الجهاز لن يتهاون مع أي ممارسات احتكارية أو محاولات للتلاعب بالأسعار، مؤكدًا استمرار الحملات المفاجئة والمكثفة لرصد أي مخالفات والتعامل معها فورًا، بما يحمي حقوق المواطنين ويضمن عدم استغلال الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات الإقليمية.
كما طمأن رئيس الجهاز المواطنين بتوافر السلع الغذائية والخضروات والفاكهة بكميات كبيرة، مؤكدًا أن الدولة تمتلك مخزونات استراتيجية كافية لضمان استقرار الأسواق وتلبية احتياجات المواطنين، في إطار جهودها لمنع أي اختلال في المعروض وحماية القوة الشرائية.