حذر نايجل جرين، الرئيس التنفيذي لمجموعة deVere Group، إحدى أكبر مؤسسات الاستشارات المالية المستقلة في العالم، من أن أسواق النفط و"وول ستريت" وسوق السندات الأميركية تمثل القوى الوحيدة القادرة على كبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التصعيد في الصراع مع إيران، في وقت بات فيه الضغط المالي يلعب دورًا متزايدًا في توجيه السياسة الأميركية.
وجاءت تصريحات جرين بعد أسابيع من الاضطرابات الحادة في الأسواق المرتبطة بشكل مباشر بالحرب، حيث قفزت أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، فيما تكبد مؤشر S&P 500 خسائر متواصلة، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل حاد مع إعادة المستثمرين تقييم مخاطر التضخم والأوضاع المالية.
وفي 28 فبراير، كان خام برنت يُتداول دون مستوى 95 دولارًا للبرميل، بينما بلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 3.96%. وبحلول 21 مارس، ومع تصاعد الضربات وتزايد المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، قفز النفط متجاوزًا 105 دولارات، وارتفعت العوائد فوق 4.3%، في حين تراجع مؤشر S&P 500 لأربعة أسابيع متتالية.
وجاءت نقطة الضغط الحاسمة بعد أيام قليلة؛ فبين 21 و23 مارس، ارتفعت أسعار النفط باتجاه 107 دولارات، وواصلت أسواق الأسهم خسائرها، بينما شهدت مزادات سندات الخزانة خلال الأسبوع نفسه طلبًا أضعف، ما دفع العوائد إلى مزيد من الارتفاع.
وفي 23 مارس، أعلنت الولايات المتحدة وقفًا مؤقتًا لمدة خمسة أيام للضربات التي تستهدف البنية التحتية الإيرانية للطاقة.
وكان رد فعل الأسواق فوريًا؛ ففي 24 مارس، تراجعت أسعار النفط بشكل حاد، منخفضة بنحو 10% تقريبًا عن ذروتها.
كما ارتد مؤشر S&P 500 بقوة خلال الجلسة نفسها، بينما تراجعت عوائد سندات الخزانة من مستوياتها المرتفعة الأخيرة. وكان التسلسل واضحًا: التصعيد دفع المؤشرات الثلاثة إلى التوتر، ثم جاء التهدئة والانحسار.
وقال جرين:"ثلاثة مؤشرات باتت تعمل الآن كحواجز حماية فورية للسياسة الأميركية: أسعار النفط، وأسواق الأسهم، وعوائد سندات الخزانة. وهي ترسل إلى ترامب إشارات لا يمكنه تجاهلها."
وأضاف:"في كل مرة يتصاعد فيها الصراع، تقفز أسعار النفط، وتتراجع الأسهم، وترتفع العوائد. وفي كل مرة تظهر فيها حتى مجرد إشارة إلى ضبط النفس، تنعكس هذه التحركات. ويبدو أن هذا النمط بات راسخًا بوضوح."
وأوضح أن أسواق الطاقة كانت قناة الانتقال الأسرع للأثر الاقتصادي، إذ دفعت المخاوف من تعطل طرق الشحن الرئيسية والبنية التحتية أسعار الخام إلى مستويات ثلاثية الرقم خلال الأسابيع الأخيرة، ما انعكس مباشرة على توقعات التضخم وتكاليف المستهلكين.
وقال:"النفط هو نقطة الضغط الأسرع. فارتفاع أسعار الطاقة يضرب الأسر بشكل شبه فوري، ما يخلق ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا يتراكم بسرعة كبيرة."
وأضاف:"لقد رأينا بالفعل مدى حساسية صناع القرار لهذا الأمر. فعندما قفز النفط بعنف، حدث تحول واضح في النبرة والإجراءات. الأسواق فرضت استجابة."
وأشار إلى أن أسواق الأسهم عززت هذه الرسالة، إذ سجل مؤشر S&P 500 عدة أسابيع من الخسائر منذ تصاعد الصراع، مع ارتباط واضح بين التراجعات ونقاط التصعيد، مقابل ارتدادات عقب ظهور إشارات خفض التوتر.
وقال الرئيس التنفيذي لـ deVere Group:"وول ستريت تعمل كمقياس للثقة. فالهبوط المستمر يشدد الأوضاع المالية، ويضعف المعنويات، ويرفع كلفة المخاطر أمام صناع القرار."
وتابع:"الهبوطات الحادة ليست مجرد ضوضاء سوقية، بل تعكس قلقًا متزايدًا بشأن التداعيات الاقتصادية لصراع طويل الأمد. وهذا ينعكس مباشرة على النظرة العامة للاقتصاد."
لكنه اعتبر أن سوق السندات يمثل القيد الهيكلي الأكثر أهمية، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة خلال الأسابيع الأخيرة بفعل مزيج من مخاوف التضخم، وكثافة الإصدارات الحكومية، وظهور مؤشرات على ضعف الطلب في المزادات.
وقال:"ارتفاع العوائد يمثل إشارة تحذير بالغة الأهمية. فهو يرفع تكلفة تمويل عبء ديون ضخم أصلًا، وينتقل أثره إلى الاقتصاد بأكمله عبر الرهن العقاري واقتراض الشركات."
وأضاف موضحًا:"مع تجاوز الدين الأميركي 39 تريليون دولار، أصبحت حساسية الاقتصاد لارتفاع العوائد أكبر بكثير من الدورات السابقة. وهامش الخطأ بات أضيق بكثير."
كما أشار إلى أن التقلبات في سوق سندات الخزانة ازدادت حدة، مع تدهور أوضاع السيولة خلال فترات التوتر، ما أثار مخاوف بشأن مدى سهولة استمرار الولايات المتحدة في تمويل عجزها الكبير إذا أصبح الطلب أقل استقرارًا.
وقال:"الافتراض القائل إن الطلب على الدين الأميركي سيستوعب دائمًا أي كمية يتم إصدارها بات قيد الاختبار. وإذا ضعف هذا الافتراض، فإن التداعيات ستكون كبيرة."
وأضاف:"ارتفاع العوائد، وضعف الطلب، والتقلبات المرتفعة تشكل مجتمعة قيدًا قويًا. وهي من بين القوى القليلة القادرة فعلًا على التأثير في مسار السياسة."
وتابع نايجل جرين:"إذا نظرنا إلى هذه العوامل مجتمعة، نجد أنها تشكل إطارًا واضحًا: النفط يعكس الضغوط الفورية المرتبطة بالتضخم والمستهلكين، ووول ستريت تعكس الثقة والأوضاع المالية، بينما تحدد عوائد سندات الخزانة مدى استدامة تمويل الحكومة."
وأضاف:"التصعيد يدفع المؤشرات الثلاثة جميعًا في اتجاه سلبي، بينما يؤدي حتى خفض محدود للتوتر إلى استقرار فوري."
واختتم قائلًا:"الأسواق لا تكتفي بالتفاعل مع الأحداث، بل باتت تؤثر فيها أيضًا."
وأضاف:"النفط والأسهم وعوائد السندات تبدو الآن وكأنها القيود الفعالة الوحيدة على ترامب."