تعمل وزارة الصناعة خلال الفترة الأخيرة على وضع حلول لمساعدة الكيانات الصناعية، خاصة المصانع المتعثرة منها، في محاولة لإعادتها إلى دائرة الإنتاج من جديد.
وأطلقت وزارة الصناعة مؤخرا ثلاث مبادرات رئيسية استهدفت الأولى تمويل المصانع التي تعاني نقص في رأس المال، من خلال توفير تمويلات ميسرة بفائدة مدعومة تبلغ 15%.
أما المبادرة الثانية فركزت على توفير تمويلات مدعومة بالفائدة نفسها لسبعة قطاعات صناعية، بهدف شراء خطوط الإنتاج والمعدات.
في حين استهدفت المبادرة الثالثة المصانع المتعثرة كليا، والبالغ عددها نحو 6 آلاف مصنع، عبر تأسيس صندوق استثمار برأسمال مليار جنيه، بالشراكة مع عدد من البنوك المصرية.
ووفق هذه المبادرة، ستتولى البنوك الدخول بحصص ملكية مؤقتة في المصانع المستفيدة، على أن تتخارج منها لاحقا بعد عودة تلك المصانع إلى التشغيل الكامل، كما شملت الحوافز منح مهلة 12 شهرا لكل مشروع صناعي حاصل على رخصة بناء وأنجز ما بين 50% و75% من أعمال البناء، مع الإعفاء من غرامة التأخير المقررة عن فترة الستة أشهر الأولى فقط.
في الوقت ذاته تضمنت الحوافز منح مهلة 18 شهرا لكل مشروع صناعي حاصل على رخصة بناء ولم ينفذ أي نسبة بنائية، أو نفذ أقل من 50% من أعمال البناء، مع الإعفاء من الغرامة المقررة عن فترة الستة أشهر الأولى فقط.
وبحسب وزارة الصناعة تسري هذه الحوافز حتى 30 أبريل 2026، مع التأكيد على سحب الأرض في حال عدم الالتزام بالمهل الممنوحة.
وأشار عدد من صناع تحدثوا لـ"عالم المال" إلى أن الخطوات والمبادرات التي تتخذها وزارة الصناعة قادرة على حل جزء من أزمة المصانع المتعثرة، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإجراءات والتمويلات، خاصة في ظل تزايد أعداد المصانع المتعثرة.
شعبة الأجهزة والمنزلية: نحتاج مبادرة للتتنازل عن الفوائد البنكية المتراكمة
وأوضحوا أن مقترح أو فكرة دخول الصندوق بحصص ملكية مؤقتة في المصانع المتعثرة، قد يخلق مشكلات للبنوك المساهمة في الصندوق.
وقال المهندس حسن مبروك، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية والمنزلية بغرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، إن مساعدة المصانع المتعثرة لا يجب أن تتم عبر مبادرة تسمح للبنوك بالدخول كمساهمين في ملكية المصانع، بل عبر مبادرة أخرى تتنازل فيها البنوك عن الفوائد البنكية المتراكمة على الكيانات المتعثرة منذ سنوات، مع الالتزام بجدولة أصل الدين.
وأشار "مبروك" إلى أن هناك عدد كبير من المصانع المتعثرة توقف بسبب عدم القدرة على سداد القروض البنكية، خاصة بعد الارتفاعات القياسية في أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية.
وتابع: "نحتاج إلى حل جذري لأزمة المصانع المتعثرة، حل يعطي الأولوية لتشغيل المصانع وعودة العمالة، بدلًا من التركيز على تحصيل الفوائد والغرامات المتراكمة على المصانع".
وواصل: "صاحب المصنع غير الكفء أو غير القادر من الناحية الإدارية سيقبل بسهولة بالشراكة بحصص ملكية لأنه سيغرق المساهمين معه، بينما صاحب المصنع الجاد سيفضل التمويل في صورة دين بفائدة منخفضة بدلاً من التنازل عن جزء من ملكيته".
ودعا إلى أن يكون الدعم في صورة تمويل مباشر وليس حصص ملكية، وبأسعار فائدة مخفضة لا تتجاوز 10%، مقارنة بالمستويات المرتفعة للفائدة حاليًا، والتي تصل إلى 20% و21% للإيداع والإقراض.
وأوضح رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية والمنزلية أن توجيه التمويل لا بد أن يكون انتقائي ومحدد الهدف، بحيث يقتصر على المصانع التي تحقق أحد شرطين أساسيين: إما توجيه جزء كبير من منتجاتها للتصدير، أو العمل على توفير بدائل محلية للواردات على حد قوله.
«مستثمري العاشر »: المشكلات المالية وارتفاع تكلفة الخامات أسباب الأزمات
في السياق ذاته قال أيمن رضا، الأمين العام لجمعية مستثمرى العاشر من رمضان، إن قرار وزارة الصناعة والنقل منح مهل وتيسيرات للمصانع المتعثرة، والذي صدر مؤخرا يمثل استجابة مباشرة لمطالب المصنعين والمستثمرين، ويعكس حرص الحكومة على دعم القطاع الصناعي.
وأشار إلى أن جمعية مستثمرى العاشر من رمضان كانت قد تقدمت بعدة مقترحات لمساندة المصانع المتعثرة، وجاء القرار الأخير كرد فعل إيجابي من وزارة الصناعة لتخفيف الأعباء عن المستثمرين الجادين وإتاحة فرصة جديدة لاستكمال مشروعاتهم.
ولفت إلى أن الجمعية ستعقد اجتماعا خلال الفترة المقبلة يضم المستثمرين المتعثرين بالمنطقة الصناعية لمناقشة تفاصيل القرار، ودراسة مدى ملاءمته لحالات التعثر المختلفة، على أن يتم رفع محضر الاجتماع وملاحظات المستثمرين إلى الهيئة العامة للتنمية الصناعية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات أو توضيحات إضافية.
وأشار إلى أن مدة المهل الجديدة، قد تكون مناسبة فى بعض الحالات وغير كافية فى أخرى، وهو ما سيتم بحثه خلال الاجتماع لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من المصانع.
وأضاف “رضا” أن المبادرة المقترحة لإنشاء صندوق متخصص لدعم المصانع المتعثرة تمثل خطوة محورية لمعالجة أحد أبرز التحديات التى تواجه القطاع الصناعى، لافتا إلى أن فاعلية الصندوق مرهونة بعدم اختصار دوره على توفير التمويل فقط، بل بامتداده ليشمل إعادة الهيكلة الإدارية والفنية للمصانع المستفيدة.
وكشف أمين عام جمعية مستثمرى العاشر من رمضان عن أسباب تعثر المصانع والتى وصفها بأنها متعددة، أبرزها الأزمات المالية وسوء الإدارة وارتفاع تكلفة المواد الخام والمشكلات الإنتاجية، مشددًا على ضرورة وجود قواعد بيانات دقيقة لمعالجة هذه الأزمة، موضحا أن المهل والتيسيرات المقدمة للمصانع المتعثرة لقرار ستسهم بشكل كبير فى تحسين مناخ الاستثمار الصناعى وتعزيز ثقة المستثمرين فى جدية الحكومة لدعم الصناعة الوطنية وتشجيع الاستثمار وبالتالى زيادة الإنتاج والصادرات.
«الصناعات المعدنية»: المبادرات رسالة طمأنة قوية للمصنعين
وفي سياق متصل أشاد المهندس هيمن عبد الله عضو غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات بتوسع الحكومة في إطلاق حزم ومهل وتيسيرات لإنقاذ المصانع المتعثرة، مشيرا إلى أنها خطوة جيدة مباشرة خاصة أن المصانع المتعثرة يقدر عددها بنحو 6 آلاف مصنع، وذلك يعكس إدراكا واضحا لحجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التعثر، وتأثيره السلبي على معدلات التشغيل والنمو الصناعي، خاصةً في ظل ضغوط التمويل وتراكم الالتزامات خلال السنوات الماضية.
وأضاف "عبد الله" أن تأسيس صندوق استثماري برأسمال مليار جنيه، بالشراكة مع عدد من البنوك المصرية، يمثل نقلة نوعية في آليات التعامل مع الأزمة، حيث يتيح للبنوك الدخول بحصص ملكية مؤقتة تصل إلى 25% في المصانع المستفيدة، بدلا من الاعتماد على أدوات التمويل التقليدية، مع التخارج لاحقا بعد استعادة المصانع لكامل طاقتها الإنتاجية، بما يحقق توازنا بين استدامة التمويل والحفاظ على الأصول الصناعية.
ولفت إلى أن التيسيرات التنظيمية التي أقرتها وزارة الصناعة، وعلى رأسها الإعفاء من غرامات التأخير ومنح مدد إضافية لاستكمال الأعمال الإنشائية والتجهيز للتشغيل تصل إلى 18 شهرا وفق نسب التنفيذ، تمثل رسالة طمأنة قوية للمستثمرين الجادين، وتسهم في إزالة معوقات إجرائية حالت دون تشغيل عدد كبير من المصانع.
وأوضح أن توافق مقترحات رؤساء الغرف الصناعية وجمعيات المستثمرين بشأن إنشاء صندوق لإعادة هيكلة وتشغيل المصانع المتعثرة يعكس انسجاما حقيقيا مع احتياجات أصحاب المصانع، الذين ينظرون إلى هذه المبادرة باعتبارها بارقة أمل حقيقية لإغلاق ملف أزمة امتدت لأكثر من 14 عاما.
وأردف عضو غرفة الصناعات المعدنية أن نجاح هذه المبادرات من شأنه دعم التصنيع المحلي، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتوفير فرص عمل مستدامة، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني.