الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
مكافحة الاحتيال مكافحة الاحتيال

تحول رقابي يعيد صياغة إجراءات التأمين

إدارات مكافحة الاحتيال بالبنوك صمام أمان للرقمنة المصرفية وحماية ثقة العملاء والمستثمرين

في خطوة رقابية تعكس تصاعد التحديات التي تفرضها الرقمنة المصرفية، ألزم البنك المركزي المصري جميع البنوك العاملة في السوق المحلية بإنشاء إدارات مستقلة ومتخصصة لمكافحة الاحتيال خلال مهلة لا تتجاوز 6 أشهر، في تحرك يستهدف تعزيز سلامة القطاع المصرفي، ورفع كفاءة البنوك في مواجهة الأنماط الاحتيالية المتزايدة، خاصة مع التوسع في الخدمات المالية الرقمية والمعاملات الإلكترونية.


وبحسب خطاب دوري صادر عن البنك المركزي، تتبع الإدارة الجديدة مباشرة رئيس قطاع المخاطر، وتتولى إعداد استراتيجية وسياسة مكافحة الاحتيال واعتمادها من مجلس الإدارة، إلى جانب تنفيذ تقييمات مستقلة لمخاطر الاحتيال، ومتابعة العمليات المصرفية في مختلف مراحلها ومنتجاتها، بما يشمل الخدمات التقليدية والرقمية على حد سواء.


ويرى مصرفيون وخبراء أن القرار لا يعد مجرد إجراء تنظيمي جديد، بل يمثل إعادة تموضع رقابي داخل البنوك لمواكبة المخاطر المستحدثة، وتحويل مكافحة الاحتيال من وظيفة موزعة بين أكثر من إدارة إلى منظومة مؤسسية مستقلة، قادرة على التدخل المبكر وحماية المعاملات والودائع والائتمان.

وليد خضر: تعزز الانضباط الرقابي وتقضي على الثغرات الائتمانية


قال الدكتور وليد خضر، الخبير المصرفي والمتخصص في ضمان مخاطر الائتمان، إن توجه البنك المركزي المصري لإلزام البنوك بإنشاء إدارات مستقلة لمكافحة الاحتيال يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الرقابة والانضباط داخل السوق المصرفي، خاصة في ظل التوسع المتسارع في المنتجات الرقمية والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في تقديم الخدمات المالية.


وأوضح خضر أن القرار يأتي استجابة طبيعية لمخاطر ووقائع شهدها السوق خلال الفترة الأخيرة، سواء ما يتعلق بالتلاعب في المستندات أو محاولات التحايل في الإجراءات الائتمانية، مشيرا إلى أن الإدارة الجديدة سيكون لها دور محوري في مراجعة استيفاء المحددات المستندية والقانونية والائتمانية قبل منح أي تسهيلات، بما يحد من فرص التلاعب أو تمرير عمليات غير سليمة.


وأضاف أن الإدارة ستلعب دورا مهما في مراقبة تنفيذ السياسات الخاصة بصرف القروض على شرائح، والتأكد من سلامة الضمانات وصحة توقيعات العملاء والضامنين، بما يغلق الباب أمام أي تجاوزات قد تصدر سواء من العملاء أو من داخل المنظومة التشغيلية نفسها.

الدكتور وليد خضر الخبير المصرفي والمتخصص في ضمان مخاطر الائتمان


وأكد خضر أن التوسع في البنوك الرقمية والمنتجات الائتمانية الحديثة يفرض مستوى أعلى من الرقابة، لافتا إلى أن الإدارة الجديدة ستتولى أيضا متابعة المعاملات المرتبطة بنظم الدفع والبطاقات البنكية ونقاط البيع **(POS)**، بما يجعلها بمثابة "فاتورة أمان ضرورية" لضمان استقرار المعاملات الإلكترونية وسلامة العمليات المصرفية.


وشدد خضر على أهمية التمييز بين إدارة مكافحة الاحتيال وإدارة مكافحة غسل الأموال، موضحا أن الاحتيال يرتبط بمحاولات التحايل المباشر للحصول على أموال أو ائتمان دون وجه حق، بينما تمثل مكافحة غسل الأموال مسارا رقابيا وتنظيميا مختلفا من حيث الأهداف والأدوات.


وأشار إلى أن الإدارة الجديدة يمكن أن تسهم أيضا في بناء قواعد بيانات للحالات المكتشفة أو ما يشبه "القوائم السلبية"، بما يساعد على منع تكرار الأنماط الاحتيالية مستقبلا، ويعزز من قدرة البنوك على الرصد المبكر واتخاذ قرارات أكثر دقة في التعامل مع العملاء والعمليات محل الشبهة.

محمد عبد المنعم: حوكمة أكثر صلابة في مواجهة الاحتيال الإلكتروني

 


من خلاله، قال محمد عبد المنعم، الخبير المصرفي، إن قرار البنك المركزي بإلزام البنوك بإنشاء إدارات مستقلة لمكافحة الاحتيال يأتي في توقيت بالغ الأهمية، بالتزامن مع التوسع الكبير في الخدمات المصرفية الرقمية وزيادة الاعتماد على المعاملات الإلكترونية والتوقيع الرقمي.


وأضاف أن البنك المركزي يتحرك بشكل استباقي لحماية القطاع المصرفي من المخاطر الجديدة التي فرضها التحول الرقمي، موضحا أن دور هذه الإدارات لن يقتصر على مواجهة جرائم الاحتيال التقليدية مثل: تزوير المستندات أو الاختلاس، بل سيمتد أيضا إلى التصدي لأنماط أكثر تعقيدا، مثل: انتحال الهوية الرقمية، واختراق الحسابات، والتلاعب في معاملات الموبايل البنكي والخدمات المصرفية عن بعد.

محمد عبد المنعم الخبير المصرفي


وأوضح عبد المنعم ، أن أهمية القرار تكمن كذلك في ترسيخ مفهوم الحوكمة المؤسسية داخل البنوك، عبر وجود جهة متخصصة تتحمل مسؤولية مباشرة عن رصد محاولات الاحتيال وتحليلها والتعامل معها بسرعة وكفاءة، بدلا من تشتت هذه الاختصاصات بين إدارات متعددة.


وأشار إلى أن تبعية هذه الإدارات لقطاع المخاطر تعكس رؤية تنظيمية دقيقة، لأنها تضمن دمج جهود مكافحة الاحتيال ضمن الإطار الأوسع لإدارة المخاطر التشغيلية والأمن السيبراني، بما يعزز قدرة البنوك على الاستجابة المبكرة لأي تهديدات محتملة.


وأكد عبد المنعم أن العميل سيكون المستفيد الأول من هذا التوجه، لأن وجود إدارات متخصصة لمكافحة الاحتيال سيسهم في سرعة اكتشاف العمليات المشبوهة، وتقليل الخسائر المحتملة، ورفع كفاءة التعامل مع شكاوى العملاء، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مستوى الثقة في الجهاز المصرفي.


وأضاف أن القرار يحمل بعدا مهما يتعلق بدعم الشمول المالي، موضحا أن شريحة من المواطنين ما زالت تتردد في استخدام الخدمات البنكية الرقمية بسبب مخاوف مرتبطة بالأمان، وبالتالي فإن تعزيز منظومة الحماية والرقابة يمنح هذه الفئات قدرا أكبر من الطمأنينة، ويشجعها على الانضمام إلى المنظومة المصرفية الرسمية واستخدام وسائل الدفع الإلكتروني.


وشدد على أن إنشاء إدارات مكافحة الاحتيال يمثل "فاتورة أمان ضرورية" في العصر الرقمي، لأن التوسع في الخدمات المصرفية الإلكترونية لا يمكن أن ينجح أو يستمر دون بنية رقابية قوية تضمن التوازن بين سرعة الخدمة وحماية أموال العملاء وسلامة المعاملات.

وليد عادل: منظومة إنذار مبكر تضمن ثقة أعلى في الجهاز المصرفي
 

بدوره، قال وليد عادل، الخبير المصرفي، إن قرار البنك المركزي المصري يعكس إدراكا واضحا لحجم التحديات الجديدة التي تواجه القطاع المصرفي، خاصة مع التوسع الملحوظ في استخدام المحافظ الإلكترونية، والإنترنت البنكي، والتطبيقات البنكية، وما صاحب ذلك من بروز أنماط حديثة من الجرائم المالية، مثل سرقة البيانات البنكية، والاحتيال الإلكتروني، وتزوير المعاملات.


وأوضح أن القرار قد يبدو في ظاهره تنظيميا أو إداريا، لكنه في جوهره خطوة استراتيجية لحماية أموال العملاء والحفاظ على استقرار النظام المالي، في وقت أصبحت فيه الجرائم المالية أكثر تعقيدا وتطورا من أي وقت مضى.


وأشار عادل إلى أن إنشاء إدارات متخصصة لمكافحة الاحتيال يعني عمليا وجود خط دفاع داخلي محترف داخل كل بنك، مهمته الأساسية رصد العمليات المشبوهة، وتحليل أنماط الاحتيال، ومتابعة أي مؤشرات غير طبيعية داخل المعاملات المالية، إلى جانب استخدام أدوات تكنولوجية حديثة للكشف المبكر عن محاولات الاختراق أو التلاعب قبل وقوع الضرر.


وأضاف أن القرار يكتسب أهمية إضافية في ظل التصاعد الملحوظ في عمليات الاحتيال المالي عالميا، خاصة مع تطور أساليب المجرمين واعتمادهم على تقنيات أكثر تعقيدا مثل الهندسة الاجتماعية، واختراق البيانات، وانتحال الهوية الرقمية، وهي مخاطر لم تعد بعيدة عن أي سوق مصرفية نشطة.

وليد عادل الخبير المصرفي


وأكد أن أحد الأبعاد المهمة لهذا القرار يتمثل في حماية سمعة القطاع المصرفي المصري، موضحا أن أي حادث احتيال كبير لا يقتصر أثره على الخسائر المالية المباشرة، بل قد يمتد إلى اهتزاز ثقة العملاء في البنوك والخدمات الرقمية، وهي الثقة التي تمثل الأساس الحقيقي لنجاح أي منظومة مصرفية حديثة.


ولفت عادل إلى أن وجود إدارات متخصصة داخل كل بنك سيساعد أيضا على تعزيز التعاون والتنسيق مع البنك المركزي والجهات الرقابية، من خلال سرعة تبادل المعلومات بشأن أساليب الاحتيال الجديدة، بما يخلق منظومة إنذار مبكر جماعية، ويعزز قدرة القطاع المصرفي ككل على التحرك بشكل أسرع وأكثر كفاءة في مواجهة أي تهديدات.


وأكد على أن القرار لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره أداة لمكافحة التزوير أو الحد من الجرائم المالية، بل باعتباره جزءا من بناء بنية دفاعية متقدمة داخل الجهاز المصرفي، تحمي أموال العملاء، وتدعم استقرار المؤسسات البنكية، وتواكب متطلبات التحول الرقمي الآمن.