مع عودة الزخم إلى البورصة، وزيادة تدفقات السيولة الأجنبية، وتسارع وتيرة الحديث عن برنامج الطروحات الحكومية، تتجه الأنظار بقوة نحو قدرة سوق المال المصرية على جذب استثمارات طويلة الأجل، بما يحقق صعودًا مستدامًا، لا سيما في ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تطورات تجعل الأسواق الناشئة، وعلى رأسها السوق المصرية، محط اهتمام رؤوس الأموال الباحثة عن فرص جديدة.
وتتقاطع آراء خبراء سوق المال حول ماهية المرحلة الحالية، وما يمكن أن تمثله من نقطة تحول حاسمة في مسار البورصة المصرية.
السيولة تدعم الصعود
يرى هشام حسن، عضو مجلس إدارة شركة "Finance Coach"، خبير أسواق المال، أن عودة السيولة الأجنبية أو ما يعرف بالأموال الساخنة تمثل بطبيعتها دعمًا للاتجاه الصاعد، وهو ما انعكس بالفعل على ارتفاع المؤشرات، لكن حتى الآن ما نراه لا يزال في إطار إشارات مبدئية، خاصة مع استمرار التوترات العالمية.
وأضاف أن تجاوز مستوى 51 ألف نقطة يعد خطوة إيجابية، لكن تأكيد الصعود يتطلب اختراق 52 ألف نقطة والثبات أعلاها لعدة جلسات مع زيادة أحجام التداول، وهو ما يحول المقاومة إلى دعم، مشددًا على أن السوق لا تزال في مرحلة اختبار، حيث يعتمد استكمال الصعود على استمرار تدفق السيولة.
وفيما يتعلق باستدامة الزخم الحالي، يوضح هشام حسن: "لا يمكن الجزم باستدامة الزخم الحالي حتى الآن، السوق بحاجة إلى تأكيدات فنية واضحة. إذا استمرت السيولة ونجح المؤشر في تثبيت أقدامه فوق مستويات المقاومة، يمكن الحديث عن اتجاه صاعد طويل الأجل، أما إذا تراجعت السيولة فقد نشهد موجات جني أرباح قوية".
ويلفت هشام حسن إلى أهمية التفرقة بين القيد والطرح، قائلًا: "القيد لا يعني دخول سيولة جديدة، بينما الطرح الفعلي هو الذي يجذب استثمارات". ويضيف أن نوع الطرح يلعب دورًا محوريًا، حيث إن الطرح لمستثمرين استراتيجيين قد لا ينعكس بشكل مباشر على السوق الثانوي، بينما الطرح العام "قد يسهم في جذب شرائح جديدة وتنويع السوق".
كما وصف هشام حسن طرح بنك القاهرة بأنه أحد أهم الطروحات المرتقبة، مؤكدًا أنه اختبار حقيقي لقطاع البنوك، ويعتمد تأثيره على القيمة السوقية للبنك مقارنة بالبنك التجاري الدولي، إلى جانب حجم الطرح ونسبة التداول الحر.
"الأسواق لا تتحرك دائمًا وفق الأخبار"، هذا ما أكده هشام حسن لافتا إلى أن تجاهل الأخبار السلبية يعكس قوة الطلب وثقة المستثمرين، كما أن تأثير التوترات الجيوسياسية أصبح محدودًا، حيث بات المستثمرون أكثر قدرة على التكيف معها.
ووصف حسن التراجعات الأخيرة بأنها تصحيح صحي بعد صعود قوي، مشيرًا إلى أن هذه التحركات ضرورية لإعادة بناء المراكز وتجديد السيولة داخل السوق، كما نصح المستثمرين بضرورة التنويع وعدم الاعتماد على أداة واحدة، والاتجاه إلى صناديق المؤشرات وأدوات الدخل الثابت، مع الاحتفاظ بسيولة كافية وتجنب الإفراط في استخدام الرافعة المالية، خاصة في ظل التقلبات الحالية.
الطروحات أهم الملفات
وبالتوازي مع هذه التحركات، تبرز الطروحات الحكومية كأحد أهم الملفات المؤثرة في أداء السوق خلال الفترة المقبلة، حيث تتجه الدولة إلى تسريع برنامج الطروحات بهدف تعزيز دور القطاع الخاص ورفع كفاءة إدارة الأصول.
ويؤكد أيمن فودة، رئيس لجنة أسواق المال بالمجلس الاقتصادي العربي الأفريقي، أن طرح شركات قطاع الأعمال في البورصة يمثل خطوة لإعادة تسعير أصول الدولة وجذب الاستثمارات، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تحمل أبعادًا أعمق من مجرد توفير سيولة، إذ تسهم في تحسين كفاءة التشغيل والإدارة وتعزيز الثقة في سوق المال المصري.
وأضاف أن أهداف الطرح تتنوع بين توسيع قاعدة الملكية، وإشراك القطاع الخاص، وتعظيم العائد على أصول الدولة، فضلًا عن تنشيط التداول وزيادة عمق السوق.
كما أشار إلى أن قيد الشركات يفرض التزامًا بمعايير الحوكمة والإفصاح الدوري، ما يؤدي إلى تحسين الإدارة ورفع كفاءة التشغيل وزيادة الانضباط المالي.
وشدد فودة على أن نجاح هذه الطروحات لا يخلو من تحديات، موضحًا أن هناك عدة عوامل يجب مراعاتها، من بينها تقلبات الأوضاع الجيوسياسية، وتوقيت الطرح، ودقة تقييم الأصول، بالإضافة إلى مدى جاهزية الشركات للطرح، مؤكدًا أن العامل الحاسم يظل توافر السيولة الكافية لإنجاح الاكتتابات.
واتفق مع أهمية عنصري السيولة والتوقيت، مؤكدًا أن "نجاح الطروحات يعتمد على التقييم العادل، التوقيت المناسب، وتوافر السيولة"، باعتبارها الركائز الأساسية لتحقيق أقصى استفادة من البرنامج.
بنك القاهرة خطوة مهمة
وفي السياق ذاته، يرى رامي حجازي، خبير أسواق المال، أن إعلان طرح بنك القاهرة وشركة مصر لتأمينات الحياة يمثل خطوة مهمة على جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مشيرًا إلى أن الطروحات الحكومية لا تقوم على بيع حصص حكومية فقط بل إعادة هيكلة لقطاعات مهمة بالدولة، مثل قطاع البنوك وقطاع الخدمات المالية غير المصرفية، ورفع كفاءة هذه القطاعات وإعادة تسعيرها.
وتوقع حجازي أن يشهد عام 2026 عددًا من الطروحات في قطاعات متعددة، مثل الصناعة والبترول والتعدين، موضحًا أن الحكومة تستهدف طرح 20 شركة ضمن برنامج الطروحات، مؤكدًا أن "التنوع في القطاعات التي سوف يتم طرحها سيكون له أثر إيجابي على جذب سيولة أجنبية ومحلية"، بما يسهم في زيادة عمق السوق ورفع كفاءته.
وأوضح أن التوقيت الحالي مناسب، حيث يبحث العالم في ظل هذه التوترات الجيوسياسية القائمة، عن الاستثمار بعيدًا عن التوترات، وهو ما حدث في مصر حاليًا، فالجو مهيأ للأموال الخارجية للاستثمار.
كما أشار إلى أن السوق المصرية شهدت مؤخرًا تدفقات سيولة قوية، حيث كسرت البورصة المصرية حاجز 10 مليارات كحجم تنفيذ يومي، وهذا يؤكد جاهزية السوق لاستقبال الطروحات الجديدة.
ويرى أن الطروحات المقبلة "ستكون بمثابة المفتاح للمستثمر الذي يريد الاستثمار بدون مخاطرة"، خاصة مع تفعيل أدوات مثل صندوق حماية سعر السهم، الذي يمثل "صمام الأمان للمستثمر في الاستثمار بأمان بدون خسائر".
واتفق الخبراء على أن البورصة تقف حاليًا أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها تأثيرات السيولة الأجنبية والطروحات الحكومية مع التغيرات في سلوك المستثمرين، بما يعبر عن فرصة حقيقية لتعزيز جاذبية السوق، مشيرين إلى أن النجاح يظل مرهونًا بتوافر السيولة، وحسن اختيار توقيت الطروحات، والتقييم العادل للأصول، بما يضمن تحقيق صعود مستدام للاقتصاد المصري.