جاءت كلمات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال المناسبات الرسمية في الفترة الأخيرة، لتؤكد أن القطاع الصناعي يتجه نحو عصر ذهبي لم تعشه مصر من قبل، تزامنًا مع الإجراءات الداعمة للمناخ الاستثماري.
ويبرز القطاع الصناعي كأحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال عام 2026، في ظل توجه حكومي واضح نحو تعزيز الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات غير البترولية.
وتراهن الدولة على الصناعة باعتبارها قاطرة للتنمية المستدامة، قادرة على إيجاد فرص عمل، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، ودعم معدلات النمو الحقيقي، وتوغل المنتجات المصرية في الأسواق العالمية عبر زيادة الصادرات، مدفوعة بإصلاحات هيكلية واستثمارات متزايدة من القطاع الخاص.
كما تلعب السياسات الحكومية دورًا رئيسيًا في دعم صمود الصناعة المصرية، فقد قامت الحكومة بتقديم حزمة من التحفيزات الاستثمارية، مثل التسهيلات التمويلية، وخفض الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج، وتقديم الدعم للصناعات الاستراتيجية.
وتسعى الحكومة إلى تحسين مناخ الأعمال عبر تبسيط إجراءات تأسيس الشركات والمصانع، وتسهيل الوصول إلى التمويل والقروض منخفضة الفائدة.
البنية التحتية الصناعية المتطورة أسهمت في تعزيز صمود الصناعة المصرية، فقد تم إنشاء مجمعات صناعية حديثة، ومناطق حرة، ومناطق لوجستية متكاملة، تسهل عمليات الإنتاج والتصدير. كما توفر هذه المجمعات بيئة متكاملة للصناعة تشمل الطاقة، والمياه، والنقل، والخدمات اللوجستية، ما يقلل من تكاليف الإنتاج ويزيد من كفاءة المصانع.
وأدى إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر، كما ساعد على تطوير منتجات مبتكرة تناسب احتياجات السوق المحلي والخارجي، واعتمدت العديد من المصانع على نظم الأتمتة والتحكم الرقمي لتقليل تكلفة العمالة وتحسين جودة المنتجات، ما يعكس قدرة الصناعة المصرية على التكيف مع التطورات العالمية.
فيما تستهدف الدولة، وفق خططها متوسطة المدى، رفع إسهام القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي ليكون أحد الأعمدة الرئيسية للنمو الاقتصادي خلال عام 2026، مع التركيز على الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وتقوم هذه الرؤية على تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتجارة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، إلى جانب تطوير البنية التحتية الصناعية، والتوسع في المناطق الاقتصادية المتخصصة،
كما تعول الحكومة على الصناعة في دعم نموذج نمو قائم على الإنتاج والتصدير بدلًا من الاعتماد المفرط على الأنشطة الخدمية، بما يسهم في تحقيق نمو أكثر استدامة وقدرة أكبر على امتصاص التقلبات الاقتصادية.
ووضعت الدولة هدفًا استراتيجيًا واضحًا يتمثل في تحويل مصر إلى مركز صناعي ولوجيستي إقليمي ودولي، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلي وتصدير الفائض للأسواق العالمية.
وتعتمد الاستراتيجية الوطنية للصناعة على مبادئ الاستدامة والعدالة والتنافسية، وتهدف إلى رفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 14% إلى 20% بحلول 2030، بجانب زيادة فرص العمل في القطاع الصناعي من 3.5 إلى 7 ملايين فرصة عمل، وكذلك توسيع نطاق الصناعات الخضراء لتصل مساهمتها إلى 5% من الناتج المحلي.
وأعدت وزارة الصناعة خطة عاجلة للنهوض بالصناعة ترتكز على تعميق التصنيع المحلي، وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتحسين جودة المنتج المصري، إلى جانب تدريب وتأهيل العمالة بما يتماشى مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
كما أطلقت الدولة 28 صناعة واعدة ومستهدفة كقاطرة للنمو، في مقدمتها الصناعات الهندسية، والدوائية، والبتروكيماوية، والإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، والنسيج، والصناعات الغذائية، بما يعزز قدرة مصر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وجاء اختيار هذه الصناعات بناءً على معايير عدة، تشمل توافر الطاقة والموارد والخامات الأولية، وتوافر التكنولوجيا والمصانع، واحتياجات السوق المحلية، فضلًا عن الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر في توزيع المنتجات الصناعية.
بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية تشير إلى تحسن ملحوظ في أداء القطاع الصناعي خلال العام المالي 2024/2025، مع توقعات باستمرار هذا الزخم خلال 2025/2026.
وتستهدف الخطة الحكومية وصول الناتج الصناعي إلى نحو 2.9 تريليون جنيه خلال 2025/2026، مقابل نحو 2.4 تريليون في العام السابق، مدعومًا بزيادة الإنتاج وتحسن مناخ الاستثمار.
كما تستهدف الدولة ضخ استثمارات بقيمة 252.8 مليار جنيه في قطاع الصناعات التحويلية، مع هيمنة واضحة للقطاع الخاص الذي يمثل أكثر من 80% من إجمالي الاستثمارات، في مؤشر يعكس تنامي ثقة المستثمرين في القطاع الصناعي.
وعلى صعيد التجارة الخارجية، تمثل الصناعات التحويلية أكثر من 85% من الصادرات غير البترولية، ضمن خطة طموحة لزيادة الصادرات السلعية إلى مستويات قياسية خلال السنوات المقبلة.
في الوقت ذاته تعكس المخصصات الحكومية الموجهة للصناعة أولوية القطاع في السياسات الاقتصادية، وتشمل برامج دعم الصادرات، وتيسير التمويل الصناعي، وخفض الأعباء غير الضريبية، إلى جانب التوسع في إنشاء المجمعات الصناعية الجاهزة، خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما تعمل الدولة على تحسين منظومة الإفراج الجمركي، وتطوير الخدمات اللوجيستية، وتقديم حوافز استثمارية بالمناطق الصناعية، بهدف خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية المنتج المحلي.
وأطلقت الحكومة خلال العامين الماضيين مبادرات تمويلية تجاوزت قيمتها 270 مليار جنيه لدعم القطاع الإنتاجي، ونجحت في إعادة تشغيل أكثر من 1000 مصنع متعثر.
وتنظر المؤسسات الدولية إلى الصناعة المصرية باعتبارها أحد محركات التعافي والنمو خلال السنوات المقبلة، فقد رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال 2026، مدعومًا بتحسن أداء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة.
كما يضع البنك الدولي الصناعة ضمن القطاعات ذات الأولوية في إطار الشراكة مع مصر حتى عام 2027، خاصة في مجالات توليد فرص العمل، وزيادة الإنتاجية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل القيمة الصناعية.
وتعد الصناعة المصرية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، حيث تساهم بشكل مباشر في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع الاستراتيجية. على مر العقود، واجهت الصناعة المصرية تحديات متعددة، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، مثل تقلب أسعار الطاقة والمواد الخام، التوترات الجيوسياسية، أو الضغوط التضخمية. ومع ذلك، أظهرت الصناعة المصرية قدرة كبيرة على الصمود والتكيف، مما يعكس مرونة الاقتصاد الوطني وفعالية السياسات الداعمة للقطاع الصناعي.
بينما شهدت الصناعات التحويلية في مصر تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ويضم هذا القطاع صناعات متنوعة مثل الصناعات الغذائية، الكيميائية، المعدنية، وصناعة النسيج. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية، حافظت هذه الصناعات على مستويات إنتاجية مستقرة، كما وسعت بعض المصانع خطوط إنتاجها لتلبية الطلب المحلي المتزايد والصادرات.
وتشير البيانات إلى أن الصناعات الغذائية، على سبيل المثال، سجلت زيادة في الإنتاج بنسبة ملحوظة نظرًا للنمو السكاني المتسارع والطلب على المنتجات الغذائية عالية الجودة. كما ساهمت المشروعات الصناعية الجديدة في المدن والمجمعات الصناعية في توفير بيئة مناسبة للتوسع وزيادة الإنتاجية.
في حين تلعب صناعة الحديد والصلب دورًا حيويًا في دعم التنمية الصناعية والبنية التحتية في مصر، وتشير التوقعات إلى أن القطاع سيشهد استثمارات ضخمة تصل إلى حوالي 4.5 مليار دولار بحلول عام 2033، بهدف تعزيز القدرة الإنتاجية وتغطية الطلب المحلي والإقليمي. وتعتبر هذه الاستثمارات مؤشرًا قويًا على قدرة الصناعة المصرية على مواجهة المنافسة الإقليمية والدولية، وتأكيد مكانتها في السوق العربية.
وتتميز شركات الحديد المصرية بقدرتها على التكيف مع التحديات العالمية، مثل ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة، من خلال تبني تقنيات إنتاج حديثة وتحسين كفاءة استهلاك الموارد، ما يقلل من تأثير التذبذب العالمي على الإنتاج المحلي.
كما تلعب المشروعات الصغيرة والمتوسطة دورًا محوريًا في دعم صمود الصناعة المصرية، فهي تسهم في توفير آلاف فرص العمل، وتحسين التوازن بين العرض والطلب في الأسواق الداخلية، كما تعمل هذه المشروعات على تعزيز الابتكار والإبداع في مجال الصناعات المحلية، مما يساهم في زيادة تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق الإقليمية والدولية.
صادرات الصناعة المصرية شهدت نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا في الأسواق العربية والإفريقية، على سبيل المثال تصدرت المانجو المصرية الأسواق العربية بقيمة صادرات بلغت 159 مليون دولار، وهو مؤشر على قوة المنتجات المصرية وقدرتها على المنافسة خارج حدود السوق المحلي. كما تسعى الحكومة المصرية إلى تنويع الصادرات الصناعية لتشمل منتجات معدنية وكيميائية ونسيجية، بهدف تقليل الاعتماد على السوق المحلي وزيادة الإيرادات من النقد الأجنبي.
ومع التوجه المستمر نحو الصناعات الصديقة للبيئة والطاقة المتجددة، من المتوقع أن تستمر الصناعة المصرية في تحقيق النمو المستدام، وتشير الاستثمارات الجديدة إلى زيادة القدرة الإنتاجية، وتحسين جودة المنتجات، وتوسيع الصادرات إلى الأسواق العربية والأفريقية.
كما تعكف الحكومة على تعزيز ريادة الأعمال وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التوسع، ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتقليل البطالة، بالإضافة إلى تعزيز الاقتصاد المحلي بشكل شامل.
ويمثل صمود الصناعة المصرية رمزًا للقوة الاقتصادية والمرونة في مواجهة التحديات، فبفضل السياسات الحكومية الداعمة، والتحديث التكنولوجي، والمبادرات الاستثمارية، استطاعت الصناعة المصرية تحويل التحديات إلى فرص، والحفاظ على قدرتها التنافسية على الصعيدين المحلي والدولي.