شهد قطاع التعدين المصري خلال عام 2025 تحولًا لافتًا، مع انتقال الحكومة من مرحلة الترويج للإمكانات الجيولوجية إلى التركيز على بناء قطاع تعديني قادر على جذب الاستثمارات وتحقيق إنتاج فعلي ومستدام.
وفي ظل المنافسة العالمية المتزايدة على جذب استثمارات التعدين، تبنت وزارة البترول والثروة المعدنية مسارًا إصلاحيًا ركز على تحديث التشريعات، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الشفافية الجيولوجية، في محاولة لتحويل الثروات المعدنية غير المستغلة إلى مشروعات إنتاجية حقيقية.
وأكد وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، خلال فعاليات ومنتديات التعدين التي شهدها العام، أن الهدف لم يعد مجرد عرض الإمكانات التعدينية لمصر، بل تأسيس بيئة تنافسية قادرة على دعم أنشطة الاستكشاف والتطوير والإنتاج.
استقلال هيئة الثروة المعدنية
كان من أبرز التحولات المؤسسية خلال العام تحويل هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية مستقلة تحت اسم "هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية"، بما يمنحها مرونة مالية وإدارية أكبر.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لمعالجة عقبات مزمنة واجهت المستثمرين، أبرزها بطء إجراءات التراخيص، وتداخل الجهات التنظيمية، وضعف الاستقلال المؤسسي، وهي عوامل لطالما أثرت على جاذبية القطاع.
ويرى مراقبون أن منح الهيئة صلاحيات اقتصادية أوسع يمثل تحولًا مهمًا نحو إدارة القطاع بمنطق استثماري وتجاري أكثر كفاءة.
أكبر مسح جوي منذ أكثر من 40 عامًا
شهد 2025 أيضًا تقدمًا في ملف البيانات الجيولوجية، مع إعلان الحكومة تنفيذ أول مسح جيوفيزيائي جوي شامل لكامل أراضي مصر منذ أكثر من أربعة عقود.
ومن المقرر بدء تنفيذ المشروع خلال النصف الأول من العام التالي، بهدف تحسين جودة البيانات وتقليل مخاطر الاستكشاف، فضلًا عن تحديد مواقع المعادن الاستراتيجية والنادرة بصورة أكثر دقة.
ويمثل المشروع تحولًا نحو اتخاذ قرارات استثمارية قائمة على البيانات، بما يتماشى مع المعايير المتبعة في الدول التعدينية الكبرى.
منجم السكري يقود الإنتاج
على مستوى الإنتاج، واصل منجم السكري للذهب لعب دور المحرك الرئيسي لقطاع التعدين المصري خلال 2025، مع حفاظه على استقرار عملياته الإنتاجية.
وساعد الأداء المستقر للمنجم في تعزيز صورة مصر كدولة منتجة للذهب، وليس مجرد سوق استكشاف ناشئة، وهو ما اعتبره المستثمرون مؤشرًا مهمًا على قدرة البلاد على دعم مشروعات تعدين طويلة الأجل.
وفي الوقت نفسه، توسعت أنشطة الاستكشاف في الصحراء الشرقية، خاصة في الذهب والمعادن الأساسية، بدعم من شروط ترخيص أكثر وضوحًا ونظام مالي أكثر تنافسية.
الرمال البيضاء والفوسفات في قلب الاستراتيجية
لم يقتصر التركيز الحكومي على الذهب فقط، بل شهد 2025 تصعيدًا واضحًا لأهمية المعادن الصناعية ضمن استراتيجية التعدين.
وأكدت الحكومة أهمية خامات مثل الرمال البيضاء، والكاولين، والفوسفات، والرمال السوداء باعتبارها أصولًا استراتيجية قادرة على دعم الصناعة المحلية وزيادة القيمة المضافة.
وشهدت مشروعات الرمال البيضاء والكاولين زخمًا متزايدًا، مع توجه لربط أنشطة التعدين بالصناعات المحلية وفرص التصدير، بدلًا من الاكتفاء بتصدير الخامات الخام منخفضة القيمة.
كما واصلت مشروعات الرمال السوداء تطوير قدرات الفصل والمعالجة لاستخراج المعادن الثقيلة، وعلى رأسها المعادن الحاملة للتيتانيوم والزركون.
إحياء مشروع الفوسفات المتكامل
عاد ملف الفوسفات إلى الواجهة خلال 2025، بعد إحراز تقدم في إزالة العقبات التي واجهت مشروع إنشاء أول مجمع صناعي متكامل للفوسفات في الوادي الجديد.
وشهد العام وضع أطر تنفيذية أكثر وضوحًا، إلى جانب تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص المحلي، بما أعاد المشروع إلى مسار التنفيذ الفعلي بعد سنوات من التعثر.

إصلاحات ضريبية لجذب المستثمرين
على الصعيد التشريعي، تبنت الحكومة نظامًا جديدًا للإتاوات والضرائب يتماشى مع النماذج الدولية المعمول بها في قطاع التعدين.
وجاءت هذه الخطوة بدلًا من النظم القديمة التي كانت تُعتبر غير تنافسية وغير مستقرة من وجهة نظر المستثمرين، ما ساعد على تحسين جاذبية السوق المصرية أمام شركات التعدين العالمية.
وساهمت الإصلاحات في جذب شركات دولية كبرى مثل AngloGold Ashanti وBarrick Gold، إلى جانب استمرار الاستثمارات في منجم السكري.
حوافز جديدة للشركات الصغيرة والمتوسطة
قدمت وزارة البترول حزمة حوافز موجهة لشركات التعدين الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لأنشطة الاستكشاف عالميًا.
وشملت الحوافز تطبيق نظام "الشباك الواحد" للتراخيص، وإعفاء معدات الاستكشاف من الرسوم الجمركية والضرائب، وزيادة مساحات الامتيازات التعدينية، فضلًا عن تحسين الأوضاع الأمنية في مناطق الاستكشاف الجديدة.
كما ألغت الحكومة شرط التنازل الإجباري عن أجزاء من مناطق الامتياز طالما التزمت الشركات ببرامج العمل المتفق عليها.
جولات ترويجية عالمية
كان الحضور الدولي أحد أبرز ملامح استراتيجية التعدين المصرية خلال 2025، مع تكثيف الجولات الخارجية للترويج لفرص الاستثمار في قطاعات التعدين والطاقة.
وشكلت زيارة وزير البترول إلى أستراليا، وخاصة ولاية أستراليا الغربية المعروفة عالميًا بصناعة التعدين، محطة مهمة ضمن جهود دمج مصر في النظم التعدينية العالمية المتقدمة.
وأبدت شركات أسترالية اهتمامًا متزايدًا بالسوق المصرية، خاصة بعد عرض الحوافز الجديدة والإصلاحات التنظيمية الأخيرة.
الاستثمار في الكوادر البشرية
بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية، ركزت الحكومة على تنمية الكفاءات البشرية العاملة في قطاع التعدين، عبر برامج تدريبية وتعاون مع جامعات دولية متخصصة في علوم التعدين، من بينها Murdoch University وCurtin University.
وتهدف هذه البرامج إلى رفع الكفاءة الفنية وتحسين القدرات التنظيمية، بما يدعم استدامة القطاع على المدى الطويل.
من الوعود إلى التنفيذ
يرى مراقبون أن 2025 لم يكن عامًا للوعود الكبرى بقدر ما كان عامًا لإعادة ضبط القطاع ووضع أسس عملية للإصلاح.
فبدلًا من الاعتماد على الترويج النظري للإمكانات التعدينية، ركزت الحكومة على ملفات الحوكمة، وتوفير البيانات، وتحسين بيئة الاستثمار، وربط التعدين بالصناعة المحلية.
ومع دخول 2026، يبقى التحدي الأكبر أمام مصر هو تحويل هذه الإصلاحات إلى مناجم منتجة ومشروعات ذات جدوى اقتصادية حقيقية، بما يرسخ مكانة التعدين كأحد محركات النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.