اعتبرت دراسة أكاديمية أن مشروع قناة السويس الجديدة مثّل نقطة تحول في رؤية مصر للقناة، عبر الانتقال من الاعتماد على رسوم العبور فقط إلى استغلال الموقع الجغرافي للقناة كمركز عالمي للصناعة والخدمات اللوجستية والتجارة.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها الدكتور عزت قناوي بجامعة كفر الشيخ ضمن الكتاب السنوي لمعهد المتوسط الأوروبي، أن المشروع جاء في إطار محاولة تحويل منطقة القناة إلى محور اقتصادي عالمي قادر على جذب الاستثمارات وتعزيز الأمن القومي والتنمية العمرانية.
وأكدت الدراسة أن قناة السويس تُعد منذ افتتاحها عام 1869 أحد أهم الممرات الملاحية عالميًا، حيث تستحوذ على نحو عُشر حركة التجارة العالمية، فضلًا عن أهميتها في نقل النفط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
فكرة المشروع تعود إلى السبعينيات
بحسب الدراسة، تعود فكرة إنشاء قناة موازية لقناة السويس إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات، قبل أن يُعاد طرحها لاحقًا خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك دون تنفيذ فعلي.
لكن المشروع عاد بصيغة مختلفة خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع تعديلات مرتبطة باعتبارات الأمن القومي، ليبدأ التنفيذ رسميًا في أغسطس 2014 وينتهي خلال عام واحد فقط في أغسطس 2015.
وشمل المشروع حفر قناة جديدة بطول 35 كيلومترًا موازية للمجرى الحالي، إلى جانب تعميق وتوسعة أجزاء أخرى بطول 37 كيلومترًا، ليصل إجمالي أعمال التطوير إلى 72 كيلومترًا.

تكلفة تجاوزت 60 مليار جنيه
قدّرت الدراسة التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 60 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 8.2 مليار دولار وقتها، شملت أعمال الحفر والتكريك، والبنية التحتية، والمرافق الملاحية، بالإضافة إلى إنشاء أنفاق أسفل القناة لربط سيناء بباقي الجمهورية.
وأشارت إلى أن الحكومة اعتمدت على التمويل المحلي الكامل عبر طرح شهادات استثمار للمصريين فقط، من خلال البنوك الحكومية، حيث جرى جمع كامل المبلغ خلال 10 أيام فقط.
مضاعفة الطاقة الاستيعابية وتقليص زمن العبور
توقعت الدراسة أن يساهم المشروع في زيادة القدرة الاستيعابية للقناة، عبر رفع عدد السفن العابرة يوميًا وتقليص زمن العبور من 16 ساعة إلى 11 ساعة.
كما أشارت إلى أن المشروع يتيح عبور أنواع من السفن العملاقة وناقلات النفط التي لم تكن تستطيع المرور سابقًا بسبب قيود العمق، وهو ما كان يدفعها لاستخدام طريق رأس الرجاء الصالح كبديل.
وبحسب الدراسة، فإن تقليص فترات الانتظار من 18 ساعة إلى نحو 3 ساعات فقط يُعد أحد أبرز المكاسب التشغيلية للمشروع.

توقعات بزيادة الإيرادات إلى 13 مليار دولار
رأت الدراسة أن قناة السويس الجديدة كان من المتوقع أن ترفع إيرادات القناة بنسبة 259% لتصل إلى نحو 13.2 مليار دولار بحلول 2023، مقارنة بنحو 5 مليارات دولار تقريبًا وقت إعداد الدراسة.
كما توقعت أن يسهم تطوير المنطقة المحيطة بالقناة وتحويلها إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي في إضافة نحو 100 مليار دولار سنويًا للاقتصاد المصري على المدى الطويل.
وأوضحت الدراسة أن القناة كانت تحقق عائدًا لا يتجاوز 0.3% فقط من إجمالي قيمة التجارة العابرة التي كانت تُقدر بنحو 1.7 تريليون دولار سنويًا، ما يعكس ضعف الاستفادة الاقتصادية من الموقع الاستراتيجي للقناة قبل المشروع.
فرص عمل وتنمية عمرانية
أكدت الدراسة أن المشروع كان يُنظر إليه باعتباره أداة لتقليص البطالة وخلق فرص عمل واسعة، عبر إقامة مشروعات صناعية وخدمية ولوجستية وزراعية في محيط القناة.
وقدّرت الدراسة إمكانية توفير نحو مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، في قطاعات تشمل النقل، والتخزين، والصناعات الثقيلة، وبناء السفن، والاستزراع السمكي، والصناعات الهندسية.
كما أشارت إلى أن المشروع يمكن أن يساهم في إعادة رسم الخريطة السكانية لمصر، من خلال إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة في مدن القناة وسيناء، وتقليل الضغط السكاني على وادي النيل.
جذب الاستثمارات الأجنبية
توقعت الدراسة أن يساهم المشروع في جذب استثمارات أجنبية مباشرة عبر إنشاء مناطق لوجستية وصناعية متكاملة تقدم خدمات للسفن العابرة، مثل التخزين والصيانة وإعادة الشحن والتجارة العابرة.
كما أشارت إلى أن المنطقة يمكن أن تتحول إلى مركز تكنولوجي وصناعي عالمي، خاصة مع الحديث وقتها عن إحياء مشروع "وادي التكنولوجيا" بالإسماعيلية.

تأثير متوقع على الجنيه والاحتياطي النقدي
بحسب الدراسة، كان من المنتظر أن يسهم المشروع في دعم احتياطي النقد الأجنبي وتحسين قيمة الجنيه المصري تدريجيًا، عبر زيادة الإيرادات الدولارية وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي.
وأوضحت أن رسوم عبور القناة تُحصّل بوحدة حقوق السحب الخاصة التابعة لصندوق النقد الدولي، والتي تعتمد على سلة عملات دولية رئيسية.
نمو حركة السفن والإيرادات
استعرضت الدراسة تطور حركة الملاحة بالقناة، حيث ارتفع عدد السفن العابرة من نحو 16.8 ألف سفينة في 2004 إلى أكثر من 21.4 ألف سفينة في 2008، قبل أن تتراجع الحركة خلال الأزمة المالية العالمية في 2009.
كما ارتفعت إيرادات القناة من 1.76 مليار دولار في 1999 إلى نحو 5.37 مليار دولار في 2015، مدعومة بزيادة حركة التجارة العالمية وأعداد سفن الحاويات وناقلات النفط.
المشروع بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية
خلصت الدراسة إلى أن قناة السويس الجديدة لم تكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل جزء من رؤية أوسع لتعزيز الدور الاقتصادي والجيوسياسي لمصر.
وأكدت أن نجاح المشروع كان يعتمد، ولا يزال، على قدرة الدولة على استكمال تطوير المناطق المحيطة بالقناة وتحويلها إلى مركز متكامل للصناعة والخدمات والتجارة الدولية، بما يعزز موقع مصر في سلاسل التجارة العالمية.