لم تعد الفضة مجرد معدن ثمين يتحرك في فلك الذهب أو يتأثر بموجات المضاربة العابرة، بل أصبحت خلال عام 2026 جزءاً من معادلة جيوسياسية واقتصادية أوسع تقودها الصين بصورة واضحة ومدروسة.
وبدورها قالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، إن الفضة تتداول حالياً قرب مستوى 74 دولاراً، بعد أن لامست نحو 90 دولاراً خلال الأسابيع الماضية، معتبرة أن ما تشهده الأسواق لا يقتصر على تحركات مؤقتة ناتجة عن توازنات العرض والطلب أو موجات شراء اعتيادية، وإنما يعكس تحولاً هيكلياً في طبيعة سوق الفضة العالمية.
وأوضحت جول أن المعدن الأبيض قد يقترب من لعب دور استراتيجي مشابه للدور الذي لعبه الذهب خلال فترات الاضطرابات الاقتصادية الكبرى، متوقعة أن تشهد الأشهر المقبلة إعادة تسعير حقيقية للفضة، ليس فقط باعتبارها أصلاً مالياً، بل كعنصر محوري في الاقتصاد الصناعي العالمي الجديد.
وأكدت أن البيانات الصادرة من الصين خلال الأشهر الأولى من عام 2026 تشير بوضوح إلى أن بكين تتحرك بعقلية الدولة التي تعيد رسم سلاسل الإمداد العالمية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وليس بعقلية المضارب قصير الأجل.
وأشارت إلى أن استيراد الصين أكثر من 790 طناً من الفضة خلال شهرين فقط يُعد مؤشراً استثنائياً في سوق محدود الإنتاج نسبياً، خاصة مع اتساع الفجوة بين الأسعار المحلية الصينية والأسعار العالمية.
وترى جول أن هذه الفجوة السعرية تعكس استعداد الصين لدفع علاوات سعرية مرتفعة لتأمين احتياجاتها المستقبلية من المعدن، وهو سلوك غالباً ما يسبق موجات صعود طويلة الأمد في أسواق السلع الاستراتيجية.
وأضافت أن الفضة لم تعد تعتمد فقط على الطلب الاستثماري التقليدي، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بثورة الطاقة المتجددة، في ظل تصدر الصين مشهد تصنيع الألواح الشمسية عالمياً، واعتماد الخلايا الكهروضوئية عالية الكفاءة على الفضة كمكون أساسي.
وقالت إن أي توسع في مشاريع الطاقة النظيفة يعني تلقائياً ارتفاعاً في الطلب الصناعي على الفضة، وهو ما يمنح المعدن ميزة مزدوجة تجمع بين القيمة الاستثمارية والاستهلاك الصناعي المتنامي، بخلاف الذهب الذي يعتمد بصورة أكبر على الطلب الاستثماري والتحوطي.
وأضافت أن الفضة قد تتحول خلال الأعوام المقبلة إلى أحد أكثر المعادن حساسية تجاه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، لافتة إلى أن العامل النفسي في الأسواق يلعب حالياً دوراً مهماً في تسارع الاهتمام بالمعدن الأبيض.
وأوضحت أن الارتفاعات القياسية التي سجلها الذهب دفعت شريحة واسعة من المستثمرين الأفراد وبعض الصناديق الاستثمارية إلى النظر للفضة باعتبارها “الفرصة المتأخرة” أو النسخة الأقل سعراً من الذهب، وهو ما يحدث عادة قبل التحركات السعرية الكبرى، عندما يبدأ المستثمرون في البحث عن أصول لم تستنفد كامل إمكاناتها الصعودية.
وأكدت أن دخول المستثمرين الأفراد بقوة إلى سوق الفضة قد يزيد من حدة التقلبات، لكنه في الوقت ذاته يمنح المعدن زخماً إضافياً يصعب تجاهله.
وفيما يتعلق بالقيود الصينية على تصدير الفضة، قالت جول إن هذه الخطوة تحمل أبعاداً أعمق بكثير من مجرد تنظيم تجاري داخلي، موضحة أن السماح لعدد محدود من الشركات بالتصدير يعني عملياً إعادة التحكم في تدفقات المعدن نحو الأسواق العالمية.
وأضافت أن هذه السياسة تبعث برسالة واضحة مفادها أن الفضة أصبحت مورداً استراتيجياً يجب الحفاظ عليه، في مشهد يشبه إلى حد كبير السياسات التي اتبعتها بكين سابقاً تجاه المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
وترى جول أن العالم قد يواجه قريباً واقعاً جديداً تصبح فيه الصين صاحبة التأثير الأكبر على توازنات سوق الفضة العالمية، سواء من حيث الطلب أو الإمدادات أو حتى التسعير.
كما أشارت إلى أن التحذيرات الصادرة عن مؤسسات مالية كبرى مثل Goldman Sachs بشأن تراجع المخزونات المادية العالمية لا يمكن التقليل من أهميتها، موضحة أن أخطر الأزمات في الأسواق المالية تبدأ عادة من نقص المعروض الحقيقي القابل للتسليم، وليس من نقص العقود الورقية.
وأضافت أنه إذا استمرت الصين في امتصاص كميات ضخمة من الفضة بالتزامن مع القيود التصديرية، فقد يشهد العالم اختناقات حقيقية في الإمدادات خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع نتيجة أزمة فعلية في توازن العرض والطلب، وليس فقط بسبب المضاربات.
ورغم النظرة الإيجابية تجاه الفضة، حذرت جول من أن السوق سيظل عرضة لتقلبات حادة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع دخول المضاربين بقوة إلى السوق عقب الارتفاعات السريعة التي شهدتها الأسعار مطلع العام.
وأضافت أن أي عمليات لجني الأرباح أو تغيرات مفاجئة في السياسات النقدية العالمية قد تؤدي إلى تصحيحات قوية، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الاتجاه العام لا يزال صاعداً على المديين المتوسط والطويل، في ظل قوة العوامل الأساسية الداعمة للمعدن.
واختتمت رانيا جول تصريحاتها بالتأكيد على أن العالم قد يكون أمام مرحلة تاريخية تعيد تعريف مكانة الفضة داخل النظام المالي العالمي، مشيرة إلى أن المعدن الأبيض لم يعد مجرد أصل ثانوي يتحرك خلف الذهب، بل أصبح جزءاً من معركة النفوذ الصناعي والطاقة والتكنولوجيا بين القوى الكبرى.
وقالت إن الصين تبدو اليوم وكأنها تبني نفوذها في سوق الفضة بهدوء ولكن بثبات، معتبرة أن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الفضة سترتفع أم لا، بل إلى أي مدى يمكن أن تصل الأسعار إذا استمرت المعادلة الحالية دون تغير جذري.
وأكدت أن عام 2026 قد يمثل بالفعل بداية عصر جديد للفضة، تتحول فيه من معدن مهم إلى أصل استراتيجي عالمي يُعاد تقييمه بالكامل تحت الهيمنة الصينية المتصاعدة.