لم يعد السؤال داخل كثير من الأسر المصرية: «هل نملك ثمن السلعة؟»، بل «كم يبلغ القسط الشهري؟، ففي ظل الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار، تحول التقسيط من وسيلة استثنائية لشراء الأجهزة والسلع المعمرة إلى أسلوب حياة يومي يشمل الهواتف المحمولة والتعليم والعلاج وحتى الاحتياجات المعيشية، وسط نمو سريع لسوق التمويل الاستهلاكي في وقت تصاعد فيه الجدل في الأوساط الاقتصادية حول مخاطر التوسع السريع في التمويل الاستهلاكي واحتمالات تحوله إلى «فقاعة ديون مؤجلة».
هذا الجدل انفجر بقوة خلال الأيام الماضية بعد تصريحات هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، والتي فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل التمويل غير المصرفي وحدود مخاطره على الاقتصاد والأسر المصرية.
شرارة السجال.. هشام عز العرب يحذر من «القطاع المصرفي الموازي»
أطلق هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، شرارة الجدل بعد تحذيره من توسع الأفراد في الاقتراض من شركات التمويل غير المصرفي بدلًا من البنوك، معتبرًا أن ذلك يمثل خطرًا على الدورة الاقتصادية.
وقال عز العرب إن بعض العملاء الذين لا يستطيعون الحصول على تمويل من البنوك يلجأون إلى شركات التمويل غير المصرفي رغم ارتفاع تكلفة التمويل وضعف قدرتهم على السداد، مشككًا في التزام بعض الشركات بسياسات تقييم ائتماني مماثلة لتلك المطبقة داخل القطاع المصرفي.
وأضاف، «أنا قلق للغاية من توسع الأفراد فى الاقتراض من القطاع المالى غير المصرفى بدلا من البنوك، وهو ما أصفه بالقطاع المصرفى الموازي».
وأشار إلى أن البنوك تخضع لقواعد صارمة تتعلق بالاحتياطي وكفاية رأس المال وإدارة المخاطر، بينما تختلف طبيعة الرقابة على بعض أنشطة التمويل غير المصرفي، محذرًا من أن أي اضطرابات داخل هذا القطاع قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد ككل.
كما أبدى مخاوفه من وجود ممارسات تمويلية غير منضبطة، وعدم تطبيق قواعد الاستعلام الائتماني بشكل كامل في بعض الحالات، بما يسمح بمنح تمويلات لعملاء لا يمتلكون جدارة ائتمانية كافية.
تحرك برلماني ومخاوف من فقاعة استهلاكية
أعادت تصريحات عز العرب إلى الواجهة التحذيرات المتعلقة بتنامي ظاهرة التقسيط واعتماد الأسر بصورة متزايدة على التمويل الاستهلاكي لتغطية احتياجاتها اليومية.
وفي تحرك برلماني، تقدم النائب حسام حسن بطلب إحاطة موجّه إلى الحكومة بشأن ما وصفه بتراجع فاعلية الرقابة على سوق التمويل الاستهلاكي، محذرًا من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الظاهرة، خاصة على الفئات الأكثر احتياجًا.
وتزايدت خلال الفترة الأخيرة المخاوف من تحول الأقساط إلى عبء دائم على دخول الأسر، بما قد يخلق ضغوطًا مالية ممتدة ويؤدي إلى تكوين ما يشبه «الفقاعة الاستهلاكية» الناتجة عن توسع الشراء بالديون.
الرقابة المالية ترد بالأرقام.. 417 مليار جنيه محافظ تمويل وتعثر أقل من 3%
في أول رد رقابي موسع، أكدت الهيئة العامة للرقابة المالية أن حجم محافظ التمويل غير المصرفي بلغ نحو 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، بمعدلات تعثر تقل عن 3%.
واعتبرت الهيئة هذه المعدلات ضمن الحدود الآمنة، مؤكدة أن انخفاض نسب التعثر يعكس كفاءة نظم الرقابة وإدارة المخاطر داخل شركات التمويل.
وشددت الهيئة على التزام الشركات العاملة بالأنشطة المالية غير المصرفية بمعايير كفاية رأس المال والسيولة وقواعد الجدارة الائتمانية والاستعلام الائتماني قبل منح التمويل.
وأضافت أن شركات التمويل الاستهلاكي ضخت تمويلات تجاوزت 96.3 مليار جنيه خلال 2025 استفاد منها أكثر من 10.8 مليون عميل، بمعدل نمو بلغ 57% مقارنة بالعام السابق.
كما أشارت إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة وصل إلى نحو 1.4 تريليون جنيه بنهاية 2025، بما يعادل نحو 54% من إجمالي التمويلات المقدمة للقطاع الخاص والأفراد داخل السوق المصرية.
اقتصاد القسط.. من الأجهزة الكهربائية إلى العلاج والتعليم
خلال سنوات قليلة، تغيّرت طبيعة التمويل الاستهلاكي بصورة كبيرة، فبعدما كان مرتبطًا في الأساس بشراء الأجهزة الكهربائية والسيارات، امتد ليشمل مصروفات التعليم والخدمات الطبية وتشطيب الوحدات السكنية والملابس وتذاكر السفر، مدفوعًا بانتشار تطبيقات الشراء الآن والدفع لاحقًا.
ووفق بيانات السوق، استحوذت السلع المعمرة على نحو 40.8% من إجمالي التمويلات خلال 2025 بقيمة بلغت 39.3 مليار جنيه، تلتها السيارات والمركبات بحصة 20.4% بقيمة 19.6 مليار جنيه.
كما بلغت قيمة التمويل النقدي المسبق نحو 12.1 مليار جنيه، بينما استحوذت المستلزمات الشخصية والخدمات والتجارة الإلكترونية على حصص متزايدة من سوق التقسيط.
الراتب الموزع سلفًا.. كيف تغيّرت ثقافة الاستهلاك؟
يرى مراقبون أن التوسع في التمويل الاستهلاكي أعاد تشكيل العلاقة بين المواطن والدخل، فبدلًا من الادخار المسبق لشراء الاحتياجات، أصبح جزء كبير من الاستهلاك يعتمد على الدخل المستقبلي، عبر أقساط شهرية تتراكم تدريجيًا.
ويصف خبراء هذا التحول بما يُعرف بـ«وهم القوة الشرائية»، حيث تبدو الأقساط الشهرية الصغيرة أكثر قابلية للتحمل مقارنة بالسعر النقدي الكامل، رغم أن إجمالي الالتزامات قد يستهلك ما بين 40% و60% من دخل بعض الأسر.
ورغم انتشار العروض التي تحمل شعار «فائدة 0%»، إلا أن التكلفة الفعلية غالبًا ما ترتفع نتيجة المصروفات الإدارية ورسوم الاستعلام وغرامات التأخير.
بين تنشيط الأسواق وضغوط الديون.. هل يتحول النمو إلى عبء مستقبلي؟
اقتصاديًا، ساهم التمويل الاستهلاكي في تنشيط الأسواق وزيادة الطلب ودعم قطاعات التجزئة والصناعة، كما لعب دورًا في تعزيز الشمول المالي وإدخال ملايين المواطنين إلى النظام المالي الرسمي.
لكن في المقابل، يحذر بعض الخبراء من أن هذا النمو يعتمد بصورة أساسية على «طلب ممول بالديون» وليس على زيادة حقيقية في الدخول، ما قد يخلق ضغوطًا مستقبلية إذا تراجعت القدرة على السداد أو ارتفعت أسعار الفائدة بصورة أكبر.
وبينما ترى المؤسسات الرقابية أن السوق لا يزال يتحرك داخل معدلات آمنة وتحت رقابة مشددة، تتواصل المخاوف من تحول «اقتصاد القسط» إلى عبء طويل الأجل على دخول الأسر المصرية.
وفي ظل اتساع الاعتماد على التمويل لتغطية الاحتياجات اليومية، يبقى السؤال مفتوحًا هل أصبح التمويل الاستهلاكي أداة ضرورية لتحريك الأسواق ومواجهة الغلاء أم أن التوسع السريع فيه ينذر بتراكم ضغوط مالية قد تظهر آثارها لاحقًا؟