الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
التمويل الاستهلاكي التمويل الاستهلاكي

وليد خضر: المخاوف من التمويل الاستهلاكي مشروعة.. لكن «شيطنة القطاع» ليست الحل

وسط الجدل المتصاعد حول التوسع في التمويل الاستهلاكي بمصر، والمخاوف التي أثارتها بشأن احتمالات تحول القطاع إلى مصدر ضغوط مالية مستقبلية، برزت تساؤلات واسعة حول مدى قوة الرقابة المطبقة على شركات التمويل غير المصرفي، وحدود المخاطر الحقيقية التي قد تواجه السوق خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور وليد خضر الخبير بمجال ضمان مخاطر الائتمان ، والمستشار المالي السابق بصندوق التنمية الصناعية السعودي، إن المخاوف المثارة بشأن التوسع في نشاط التمويل الاستهلاكي “مشروعة”، لكنها تحتاج إلى قراءة فنية دقيقة لطبيعة القطاع وآليات الرقابة المطبقة عليه، موضحًا أن المقارنة بين الوضع الحالي في مصر وأزمة الرهن العقاري الأمريكية عام 2008 ليست دقيقة بشكل كامل.

وأوضح خضر أن أزمة الولايات المتحدة حاليًا تتعلق بارتفاع معدلات التعثر لدى جهات التمويل غير المصرفية، وهي جهات مقترضة بدورها من البنوك، ما يخلق مخاوف من انتقال الأزمة إلى القطاع المصرفي والأسواق المالية، مضيفًا أن هذا ما دفع بعض المصرفيين لإبداء القلق من نمو نشاط التمويل غير المصرفي في مصر.

وأشار إلى أن الهيئة العامة للرقابة المالية تتابع القطاع بصورة صارمة، وأن نسبة الديون غير المنتظمة أو القروض المتعثرة داخل شركات التمويل والجمعيات الخاضعة للرقابة لا تتجاوز وفق البيانات الرسمية 3%، وهي أقل من الحدود العالمية المقبولة التي تدور حول 5%.

وأضاف أن الدولة بدأت منذ عام 2020 في تشديد الضوابط المنظمة للقطاع، سواء من خلال تطبيق قواعد “اعرف عميلك” (KYC)، أو إلزام الشركات بإجراء الاستعلام الائتماني عبر شركة “آي سكور”، فضلًا عن إلزام العميل بالتوقيع على كامل المصروفات والتكاليف والفوائد المرتبطة بالتمويل.

وأكد أن الحديث عن منح تمويلات دون “آي سكور” داخل الجهات الرسمية الخاضعة للهيئة “غير صحيح”، موضحًا أن أي شركة أو جمعية مرخصة لا يمكنها منح تمويل دون استعلام ائتماني، وأن المخالفات التي تحدث ترتبط غالبًا بجهات غير رسمية تعمل خارج الإطار الرقابي.

وكشف خضر أن الهيئة العامة للرقابة المالية بالتنسيق مع البنك المركزي بدأت تطبيق معايير “بازل 3” على الجهات المالية غير المصرفية، خاصة فيما يتعلق بكفاية رأس المال والسيولة وإدارة المخاطر، رغم أن هذه المعايير كانت مطبقة تاريخيًا على البنوك فقط.

وأضاف أن الهيئة أغلقت نحو 220 جهة خلال عام 2025 بسبب عدم قدرتها على التوافق مع متطلبات الملاءة المالية وكفاية رأس المال، كما عقدت اجتماعات موسعة مع الشركات والجمعيات خلال الربع الأخير من 2025 لتدريبها على تطبيق معايير “بازل 3”، على أن يبدأ التطبيق الإلزامي الكامل مطلع 2027.

وأشار إلى أن أحد أبرز التحديات داخل القطاع يتمثل في ضعف تأهيل بعض العاملين وارتفاع معدل دوران العمالة داخل شركات التمويل، موضحًا أن بعض الشركات تعتمد على عناصر بيعية غير مؤهلة تعمل بمنطق “التارجت” فقط، ما يؤدي أحيانًا إلى تجاوزات في منح التمويلات.

وقال إن السوق يضم شركات “محترمة وملتزمة” إلى جانب شركات أخرى تعاني من مشكلات تشغيلية ورقابية، مشددًا على ضرورة عدم تعميم الأخطاء الفردية على كامل القطاع.

وأضاف أن التمويل الاستهلاكي ليس النشاط الوحيد داخل شركات التمويل غير المصرفي، إذ يشمل القطاع أيضًا تمويل المشروعات متناهية الصغر والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، موضحًا أن الخلط بين هذه الأنشطة يخلق انطباعات خاطئة عن طبيعة المخاطر داخل السوق.

وأشار إلى أن المشكلة الأخطر حاليًا ليست في التمويل الاستهلاكي التقليدي، وإنما في بعض تمويلات الـSME، خاصة مع منح قروض تصل إلى عشرات الملايين لشركات تفتقر أحيانًا إلى الدراسة الائتمانية الكافية، مؤكدًا أن التعامل مع قرض بقيمة 30 أو 40 مليون جنيه يحتاج إلى خبرات مصرفية متخصصة تختلف تمامًا عن تمويلات التجزئة الصغيرة.

وأوضح خضر أن التمويل الاستهلاكي قد يتحول إلى “قنبلة ديون مؤجلة” في حال استخدامه بصورة خاطئة، خاصة في ظاهرة “التسييل”، والتي يحصل فيها العميل على تمويل سلعي ثم يبيع السلعة نقدًا بأقل من قيمتها للحصول على سيولة لسداد التزامات أخرى، ما يرفع التكلفة الفعلية للتمويل إلى مستويات ضخمة.

وأضاف أن الهيئة بدأت بالفعل وضع ضوابط جديدة خلال 2026 للحد من ظاهرة “التسييل”، باعتبارها أحد أخطر التشوهات الموجودة داخل النشاط حاليًا.

كما انتقد خضر بعض ممارسات شركات التحصيل، مؤكدًا أن جزءًا من الأزمة يرتبط بأساليب التحصيل غير المهنية التي تلجأ إليها بعض الشركات أو شركات التحصيل الخارجية، عبر استخدام ضغوط مبالغ فيها على العملاء المتعثرين.

وأشار إلى أن بعض البنوك الكبرى تمتلك بالفعل شركات تمويل غير مصرفي أو تساهم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يعكس حجم القطاع وأهميته داخل السوق المصرية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن عمليات التوريق الجارية داخل القطاع تتم وفق ضوابط رقابية واضحة.

وشدد على أن الرقابة المالية “ليست غائبة عن المشهد”، لكنها تحتاج إلى استمرار تطوير الأدوات الرقابية ورفع كفاءة العاملين داخل القطاع، مؤكدًا أن المطلوب حاليًا هو ضبط الممارسات السلبية وليس شيطنة نشاط التمويل غير المصرفي بالكامل.