كشف تقرير حديث للبنك الدولي عن نجاح برنامج التمويل العقاري الشامل في مصر في تمكين أكثر من 693 ألف أسرة منخفضة الدخل من الحصول على وحدات سكنية رسمية بأسعار ميسرة، في خطوة لم تقتصر آثارها على توفير السكن فحسب، بل امتدت إلى تنشيط سوق التمويل العقاري، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وخلق ملايين فرص العمل.
وحسب التقرير، ساهم البرنامج المدعوم من البنك الدولي بقيمة مليار دولار في دعم المبادرة الحكومية للإسكان الاجتماعي، التي أطلقتها الدولة لمواجهة فجوة سكنية كانت تُقدَّر بنحو 3 ملايين وحدة عام 2014، حين كان ما بين 12 و20 مليون مصري يعيشون في مساكن لا يمتلكونها رسميًا.
قفزة في سوق التمويل العقاري
أظهر التقرير أن قيمة سوق التمويل العقاري في مصر ارتفعت من 132 مليون دولار فقط عام 2014 إلى نحو 2.2 مليار دولار في 2026، مدفوعة بمشاركة 31 مؤسسة مالية عامة وخاصة في تقديم قروض عقارية ميسرة لمحدودي الدخل.
وأشار إلى أن نحو ثلثي المستفيدين من البرنامج كانوا يتعاملون مع المؤسسات المالية للمرة الأولى، ما يعكس دور المبادرة في تعزيز الشمول المالي ودمج شرائح جديدة من المواطنين داخل القطاع المالي الرسمي.
كما سجل البرنامج إقبالًا متزايدًا، إذ تقدم أكثر من 580 ألف أسرة منخفضة الدخل بطلبات للاستفادة منه خلال عام 2025 فقط.
والجراف التالي يوضح حجم الإنفاق الحكومي في مصر:
4 ملايين فرصة عمل
ولم تتوقف آثار البرنامج عند حدود التمويل العقاري، إذ ساهم أيضًا في تنشيط قطاع التشييد والبناء من خلال إسناد تنفيذ الوحدات السكنية إلى شركات القطاع الخاص.
ووفقًا للتقرير، أسهمت هذه الأنشطة في توفير نحو 4 ملايين فرصة عمل بصورة مباشرة وغير مباشرة، ما جعل قطاع الإسكان أحد المحركات المهمة للنشاط الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز قصص المستفيدين هذا الأثر الاقتصادي؛ فبعد حصوله على وحدة سكنية ضمن المشروع، تمكن أيمن السعداني، وهو عامل دهانات، من توسيع نشاطه التجاري والاستفادة من الطلب المتزايد على أعمال التشطيبات داخل المجتمعات السكنية الجديدة، بعدما كان جزء كبير من دخله يذهب إلى الإيجار.
تمكين المرأة عبر التملك
وأوضح البنك الدولي أن البرنامج منح أولوية للنساء، حيث تمثل السيدات المعيلات نحو 25% من إجمالي المستفيدين، بينما لم يسبق لنحو 90% منهن التعامل مع أي مؤسسة مالية.
كما ألزم صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري بإدراج الزوجة شريكًا في ملكية الوحدة السكنية حال مساهمتها في دخل الأسرة، سواء بصورة رسمية أو غير رسمية، وهو ما يدعم تقليص فجوة ملكية الأصول بين الرجال والنساء.
إسكان أخضر يخفض التكاليف
ولفت التقرير إلى أن البرنامج يدمج معايير الاستدامة البيئية في تنفيذ الوحدات السكنية، حيث يستهدف إنشاء 55 ألف وحدة خضراء معتمدة، تم بالفعل إنجاز أكثر من 40 ألف وحدة منها.
وتتميز هذه الوحدات بكفاءة أعلى في استهلاك الطاقة والمياه واستخدام مواد أقل انبعاثًا للكربون، ما ينعكس على خفض فواتير الخدمات للأسر وتقليل الضغط على الموارد العامة.
من الدعم الاجتماعي إلى التنمية الاقتصادية
يرى البنك الدولي أن التجربة المصرية تقدم نموذجًا لكيفية توظيف سياسات الإسكان كأداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الوقت نفسه، إذ لا يقتصر تأثير توفير المسكن على تحسين مستوى المعيشة، بل يمتد إلى خلق فرص العمل، وتنشيط التمويل، وتعزيز الشمول المالي، وتمكين المرأة، ودعم التحول نحو مدن أكثر استدامة.
ومع استمرار الطلب المرتفع على الوحدات السكنية المدعومة، يبدو أن قطاع الإسكان الاجتماعي مرشح للحفاظ على دوره كأحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في مصر خلال السنوات المقبلة.